تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان...

[المائدة: 90]. فالخمر نفسها رجس، أي: قذارة حسية، وعطف عليها الحق - سبحانه - الميسر والأنصاب، والأزلام وأخذوا حكم الخمر، وهكذا نفهم أن الخمر رجس حسي، بينما الأنصاب والأزلام والميسر رجس معنوي. وهناك أيضا الرجز، ويطلق على وسوسة الشيطان، فالحق يقول:

إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السمآء مآء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان...

[الأنفال: 11]. إذن: فالرجس له متعلقات معناه هنا الكفر، والكافر هو قذارة في حد ذاته لا أنه إنسان أصابته قذارة. ويقول الحق: ﴿ فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزآء بما كانوا يكسبون ﴾ والمأوى: هو المكان الذي يؤويك من شر يلحقك، ويقال: " آوى إلى كذا " أي: هرب من شر يراد به، فإذا كان المأوى الذي يفزعون إليه هو جهنم، فمعنى ذلك أنهم بحثوا عن منفذ فلم يجدوا منفذا إلا أن يدخلوا جهنم، وهي بطبيعة الحال بئس المصير. وهل ذلك افتئات عليهم أم جزاء؟ يقول الحق: ﴿ جزآء بما كانوا يكسبون ﴾ ونعرف أن الحسنة يقال عنها: " كسب " ، والسيئة يقال عنها " اكتسب " ، والحق هو القائل:

لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت...

[البقرة: 286]. وذلك لأن عمل الحرام المخالف لمنهج الله لا بد أن يشوبه الافتعال، أما عمل الحلال فهو أمر فطري لا يكلف النفس مشقة، ولا تتنازع فيه ملكات، لكن بعض الناس الذين يعملون السيئات يألفونها إلفا بحيث تصبح سهلة فلا تكلفهم شيئا، ويعتبر الواحد منهم السيئة كسبا، كأن تأتي لإنسان، فيحدثك بمغامراته في الخارج، ويروي عن رحلاته في باريس ولندن، وما فعل فيهما من منكرات. هو يظن أنه يحكي عن مكاسب، ولا يعلم أنه يحكي عن مصائب وقع فيها باختياره. مثل هذا الإنسان يفعل السيئة، وهو معتاد عليها فتصير كسبا. وهو عكس إنسان آخر وقعت عليه المعصية فيظل يبكي ويبكي ويبكي، ويندم، وقد يضرب نفسه كلما تذكر المعصية، ويندم عليها. فالأول فرح بخطاياه ومعاصيه واعتبرها كسبا وصارت له دربة وله رياضة وله إلف بتلك المعاصي. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ يحلفون لكم لترضوا عنهم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٢٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٢٩٥