إذن: فالغيب المطلق هو ما غاب عنك عن غيرك، وهو أيضا ما لا تكون له مقدمات توصلك إليه، فأنت إذا أعطيت ابنك تمرينا هندسيا ليحله فالحل غيب عنه ساعة يقرأ المسألة، ثم يستخدم المقدمات والنظريات حتى يصل إلى الحل، فكأن هناك أشياء لها مقدمات توصل إلى النتائج، وهذه ليست غيبا لذلك لا يقال لمن اكتشف الكهرباء والذي اكتشف تفتيت الذرة أنهما علما الغيب. فقد كانت هناك مقدمات في الكون أوصلتهما إلى كشف بعض القوانين الموجودة بالفعل، لكننا لم نكن نعرفها. وفي بعض التدريبات، نجد من يضع المسألة المطلوب حلها، ويضع النتيجة الأخيرة بجانبها لأنه لا يهدف إلى معرفة النتيجة، ولكنه يهدف لتعليم التلميذ كيف يصل إلى أسلوب الحل الصحيح. ولذلك إذا أردت أن تحل شيئا في الهندسة مثلا، فلا بد لك من معطيات توصلك إلى الحل كأن يطلب منك - مثلا - إثبات أن الخطين متوازيان، وفي هذه الحالة يجب أن تكون كل زاويتين متناظرتين متساويتين، وكل زاويتين متبادلتين متساويتين. إذن: فانت قد أخذت مقدمات أو معطيات أوصلتك إلى النتيجة، وكذلك في تساوي ضلعي المثلث أو أضلاعه يكون إثباته بتساوي الزوايا. فهل في هذه الحالة يقال: إنك اهتديت إلى الغيب؟ أم أنك استخدمت مقدمات أوصلتك إلى نتائج؟ وأنت حين تبرهن على صحة النظرية المباشرة، تقول: إن هذا يساوي هذا حسب النظرية رقم تسعة مثلا، وإن هذا مقابل لهذا حسب النظرية الجديدة، وإذا وصلت في براهينك إلى نظرية رقم واحد فهي النظرية التي لا مقدمات لها، ولا بد أن تكون بديهية. وهكذا نجد أن كل علم في هذا الكون بني على نظريات أو مقدمات بديهية، ثم تطورت بعد ذلك إلى اكتشاف ما أودعه الله في كونه من أسرار. أما الحق سبحانه وتعالى فهو يقول عن نفسه: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ أي أنه سبحانه عالم بالغيب المطلق، الذي لا توجد له مقدمات توصلنا إليه ولذلك لا نستطيع أن نعرف الغيب المطلق لأنه ليس معروفا عند البعض، ومجهولا عند غيرهم، وليس له مقدمات توصلنا إليه لأنه الغيب الذي ينفرد به الحق عز وجل. ونجد الحق سبحانه يقول:
عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول...
[الجن: 26-27]. فسبحانه عالم الغيب المطلق، وهو يختلف عن الغيب المستور عن البعض، ويقول الحق عن مواعيد الكشف عن أسرار الغيب المستور:
ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء...
[البقرة: 255]. وحين يشاء الله أن يكشف عن بعض أسرار الغيب فهو يحدد الوقت الذي يشاؤه لذلك، وكل شيء في الكون له ميعاد ميلاد مثل: الكهرباء، والذرة، والوصول إلى القمر، وغزو الفضاء، وهذه كلها أشياء لها مواعيد ميلاد.
ويبحث العلماء عنها باستخدام المقدمات. ولكنهم لا يصلون إلى سر ميلاد أي اكتشاف إلا بإذن الله حين يلفتهم إلى هذا السر إما بالبحث العلمي، وإما أن يتم معرفته صدفة. وهكذا نجد أن البشر يحاطون علما بهذه الأسرار بعد مقدمات وبإذن من الله. وما دام الحق سبحانه هو عالم الغيب فيكون سبحانه عالما بالشهادة من باب أولى، وقد يظن ظان أنه إن جلس في مكان معزول مستور ويفعل ما يريد، فلن يشهده الله لأنه قد يفعل ما يريد دون أن يراه أحد، لكن ذلك غير حقيقي لأن الحق سبحانه عالم الغيب والشهادة، فلا يوجد مستور عنه في هذا الكون، فلا الغيب يغيب عن علمه، ولا العالم المشهود يغيب عن علمه. وما دام قد جاء الحق هنا بقوله: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ فلا بد أن يأتي من بعدها ﴿ ينبئكم بما كنتم تعملون ﴾ أي: يخبركم مقدما بجزاء ما ستفعلونه من خير أو شر حتى لا يقول أحد: إنه لم يكن يعرف، أو أنه لو علم أن فعله يؤدي إلى الشر لما فعل وحتى يكون كل إنسان شهيدا على نفسه لأن الله أبلغه بالجزاء، فيكون الجزاء عدلا لا ظلما. ولذلك يقول الحق سبحانه: