تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[التوبة: 54]. فكأن هذه حيثيات كفرهم فهم لا يصلون إلا نفاقا، ولا ينفقون مالا في سبيل الله إلا وهم يكرهون ذلك. والمتعة في المال أن تنفقه فيما تحب، فإذا أحببت طعاما اشتريته، وإذا أحببت ثوبا ابتعته. وتكون في هذه الحالة مسرورا وأنت تنفق مالك، ولكن هؤلاء ينفقون المال وهم كارهون. والمؤمن عندما ينفق ماله في صدقة أو زكاة فهو يفعل ذلك إيمانا منه بأن الله سبحانه وتعالى سيعطيه أضعاف أضعاف الأجر في الدنيا والآخرة. إذن: فحين ينفق المؤمن ماله في الزكاة، يكون فرحا لأنه عمل لدنياه ولآخرته. أما المنافق الذي يضمر الكفر في قلبه، فهو لا يؤمن بالآخرة ولا يعرف البركة في الرزق، فكأنه أنفق ماله دون أن يحصل على شيء، أي: أن المسألة في نظره خسارة في المال ولا شيء غير ذلك. وإن أنفق الإنسان وهو كاره، فالمال الموجود لديه هو ذلة وتعب لأنه حصل على المال بعد عمل ومشقة، ثم ينفقه وهو لا يؤمن بآخرة ولا بجزاء. ويريد الحق سبحانه أن يلفتنا إلى أن رزقه لهؤلاء الناس هو سبب في شقائهم وإذلالهم في الدنيا فيجعلهم يجمعون المال بعمل وتعب ثم ينفقونه بلا ثواب، أي: يخسرونه. والواحد منهم يذهب إلى الحرب نفاقا، فينفق على سلاحه وراحلته، ولا يأخذ ثوابا، ويربي أولاده ثم تأتي الحرب، فيذهبون نفاقا للقتال فيموتون دون استشهاد إن كانوا منافقين مثل آبائهم. وهكذا نجد أن كل أموال المنافق الذي يتظاهر بالإسلام، وهو كافر، تكون حسرة عليه. ومن هنا فإياك أيها المؤمن أن تعجبك أموالهم لأنها ذلة لهم في الدنيا فهم يبذلونها نفاقا فإذا امتنعوا عن الإنفاق وعن الجهاد وهم يتظاهرون بالإسلام فكأنهم قد أعلنوا أنهم منافقون، وهكذا نجد إنفاقهم كرها هو إذلال لهم، وإن لم ينفقوا فهذا أمر يفضحهم، فكأن الأموال والأولاد عذاب لهم، وهذا أمر لا يقتضي الإعجاب، وإنما يقتضي الإشفاق عليهم.

ولا تظن أنك حين حذفتهم من ديوان الغزاة والمجاهدين بعدم الخروج معك وأنهم لن يقاتلوا معك عدوا، أن في أموالهم عوضا عن الخروج، فلا تعجبك فإنها عقاب وفضيحة وإذلال لهم. ولكن في الآية الأولى، يقول الحق سبحانه: ﴿ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم ﴾ لماذا؟ لأن منهم من له مال يعتز به، ومنهم من له أولاد كثيرون هم عزوته، ومنهم من له المال والولد. إذن: فهم مختلفون في أحوالهم لذلك جاء القول: ﴿ أموالهم ولا أولادهم ﴾ لتؤدي المعاني كلها. ولتشمل من عنده مال فقط، ومن عنده أولاد فقط، ومن عنده المال والولد. أما في الآية الثانية التي نحن بصددها: ﴿ ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون ﴾ إذن: فالحق سبحانه وتعالى قد أعطاهم المال والولد للعذاب. ولكن هناك من يقول: ما دام الحق يريد تعذيبهم بالأموال والأولاد، فهل المال والأولاد علة للعذاب؟ وهل لأفعال الله علة؟ ألا يقول المسلمون: إن أفعال الله لا علة لها ونقول: لقد قالوا مثل ذلك القول في قوله الحق:

وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون

[الذاريات: 56]. ولم يلتفتوا إلى أن العلة في الخلق لا تعود إلى الله، ولكنها علة ترجع للمخلوق لأن في العبادة مصلحة ومنفعة للمخلوق. فسبب الخلق هو العبادة، وهذا السبب ليس راجعا إلى الخالق ولا تعود على الله أدنى منفعة، فلا شيء يزيد في ملكه ولا شيء ينقصه. أو هي لام العاقبة. ومعنى " لام العاقبة " أن تفعل شيئا فتأتي العاقبة بغير ما قصدت مصداقا لقوله الحق:

فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا...

[القصص: 8]. هل التقط آل فرعون موسى ليكون لهم عدوا؟ أم التقطوه ليكون لهم قرة عين؟. لقد التقطوه ليكون قرة عين لهم، ولكن النهاية جاءت بغير ما قصدوا فأصبح الذي التقطوه ليكون وليا ونصيرا لهم هو الذي جاءت على يديه نهايتهم، ولو كان فرعون يعلم الغيب لما التقط موسى بل لقتله، وشاء الحق أن يخفي عنه الغيب ليقوم هو بتربية من سيقضي على ملكه، تماما كما تدخل ابنك إلى المدرسة فيفشل، وتنفق عليه فلا يتخرج، هل أنت أدخلته المدرسة ليخيب؟ طبعا لا. كذلك قول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ليعذبهم ﴾ ويريدنا الله أن نفهم أن العذاب ليس هو سبب جمعهم المال، وإنما السبب هو في ذلك هو حبهم للمال والمتعة، وكذلك الأولاد ليس الهدف منهم أن يكونوا سببا في عذاب آبائهم، بل هم يريدون الأولاد عزوة لهم. ولكن الحق سبحانه وتعالى شاء أن يعذبهم بالمال والأبناء في الدنيا. فالمال يجمعه المنافق من حلال ومن حرام، ثم بعد ذلك إما أن يفارقه المال بكارثة تصيبه، وإما أن يفارق هو المال بالموت، وإما أن يكون هذا المال عذابا له فيعيش مع خشية الفقر وزوال النعمة، كذلك الأولاد يربيهم ويتعب في تربيتهم، ثم بعد ذلك إما أن يفارقوه بالموت، وإما أن يكبروا فاسدين فيكونوا مصدر عذاب لهم.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٢٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٢٨٣