ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة
[الأنفال: 67]. بعض الناس يتساءل: كيف يستدرك عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ نقول: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لن يخلد في أمته لذلك أراد أن يعطيهم الأسوة بأنه صلى الله عليه وسلم متى رأى رأيا حسنا نزل عليه. وبعض المستشرقين يقولون: إنكم تقولون دائما عمر فعل كذا، ولماذا لا تقولون لنا محمد فعل كذا؟ ونقول: إذا فعل محمد فهو رسول الله، أما غير الرسول عندما يفعل فهو دليل على أن الفطرة الإسلامية من الممكن أن ترى شيئا يتفق مع ما يريده الله. وبعد أن نزل قول الحق: ﴿ ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ﴾ صار الحكم عاما في ألا يصلي رسول الله على المنافقين.
لكن من أراد من الناس أن يصلي فليصل. وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يكرم كل مسلم بالصلاة عليه، فلما نزلت هذه الآية امتنع عن الصلاة على المنافقين. كذلك
" امتنع صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على الميت وعليه دين، فكان يسأل أهل الميت: هل عليه دين؟ فإن قالوا: نعم. سأل: هل ترك ما يسده؟. فإن قالوا: لا، قال: " صلوا على صاحبكم " ، وامتنع هو عن الصلاة. "
ولكن ما ذنب من عليه دين حتى يحرم صلاة رسول الله عليه؟ نجد الإجابة في قوله صلى الله عليه وسلم:
" من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله ".
فلو كان هذا الميت المدين ينوي سداد دينه لأعانه الله على أن يسدده، أما إذا ترك ما يفي بهذا الدين من عقارات أو أراض أو أموال في البنوك فلا يكون مدينا. ويقول الحق سبحانه هنا: ﴿ ولا تقم على قبره ﴾ ونحن نعلم أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان يذهب إلى قبر حمزة رضي الله عنه، ويقف على قبور المؤمنين:
" السلام عليكم دار قوم مؤمنين "
ومنعه الحق من ذلك العمل على قبور المنافقين. ويعطينا الحق سبحانه العلة في ذلك فيقول: ﴿ إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ﴾ وعرفنا كيف كفروا بالله ورسوله، لكن ماذا عن قوله الحق: ﴿ وماتوا وهم فاسقون ﴾. فهل ماتوا وهم خارجون عن المنهج؟ نعم، تماما مثلما نقول: فسقت الرطبة لأن البلح في نضجه يكون أحمر اللون أو أصفر وتلتصق قشرته به، فإذا رطب انفصلت القشرة عن البلحة، بحيث تستطيع أن تنزعها بسهولة، فكأن منهج الله بالنسبة للمؤمن لا بد أن يلتصق به كقشرة البلحة الحمراء، وإذا انفصل عنه مثل قشرة الرطبة يصاب بالفساد. ولكن هنا نتساءل: أليس الكفر أكبر مرتبة من الفسق؟ لأننا نعلم أنه ليس بعد الكفر ذنب؟ فكيف يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ وماتوا وهم فاسقون ﴾ مع أنهم كفروا، والكفر أكبر الذنوب؟ ونقول: إن الكفر هو عدم الإيمان بالله ورسوله وعدم الدخول في الإسلام، ولكن الفسق هو عدم الالتزام بأية قيم، ذلك أن الدين قد أوجد في النفوس عامة قيما معروفة يتبعها حتى الذين كفروا، فمثلا عندما أرادوا بناء الكعبة قبل الإسلام، قالوا: نريد أن نبنيها بمال حلال، لا يدخل فيه مال بغي. وكانوا في الماضي يحضرون البغايا، ويقيمون لهن الرايات، ويأخذون من أموالهن. لم يكن الإسلام قد جاء بعد، ولكن كانت هناك قيم من مناهج السماء التي جاءت قبل الإسلام. وجاء الإسلام موافقا لبعضها. إذن: فقوله الحق: ﴿ كفروا بالله ورسوله ﴾ ، أي: لم يكونوا مسلمين. ﴿ وماتوا وهم فاسقون ﴾ أي: لم يلتزموا بأية قيم. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما... ﴾.