تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وشاء الله أن يعلموا أنه سبحانه وتعالى يعلم ما في نفوسهم. وشاء أن يفضح ما في سرائرهم، لعل هذا يدخل الخوف في قلوبهم، من أنه سبحانه مطلع على كل شيء، فيؤمنوا خوفا من عذاب النار. ومثال هذا أن الحق حين أراد أن يمنع المشركين من حج بيته الحرام قال:

إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا...

[التوبة: 28]. وكان المشركون حين يذهبون إلى الحج ينعشون اقتصاد مكة، وكان الخير يأتي من كل مكان إلى مكة في موسم الحج، بل إنهم كانوا يقولون: إياكم أن تطوفوا بالبيت في ثياب عصيتم الله فيها، وكأن التقوى تملأ نفوسهم! وحقيقة الأمر أنهم كانوا بعيدين عن التقوى لأنهم كانوا يعبدون الأوثان. وكانوا يقولون ذلك حتى يضطر الحجاج أن يخلعوا ثيابهم ويشتروا ثيابا جديدة ليطوفوا بها ومن لا يملك المال يطوف عاريا. إذن: فقد كان الحج موسما اقتصاديا مزدهرا لأهل مكة يربحون خلاله ما يكفي معيشتهم طوال العام، فلما جاء البلاغ من الله سبحانه وتعالى: ﴿ إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾. فالخاطر الذي يأتي في النفس البشرية وكيف سنعيش؟. هذا هو أول خاطر يأتي على البال لأنه سؤال عن مقومات الحياة، والذي خلقهم عليم بما يدور في خواطرهم. وإن لم يجر على ألسنتهم، حينئذ جاء قول الحق سبحانه:

وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله...

[التوبة: 28]. إذن: فالله سبحانه وتعالى قد علم ما يدور في خواطرهم، فرد عليه قبل أن ينطقوه. كذلك قول الحق سبحانه: ﴿ قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون ﴾ والفقه هو الفهم الدقيق. فأنت حين تعرف شيئا بسطحياته تكون قد عرفته، ولكنك إن عرفته بكل معطياته الخلفية تكون قد فقهته. وأنت إذا ذهبت للجهاد في الحر قد تتعب، ولكن إذا قعدت عن الجهاد سوف تكون عقوبتك أكبر وتعبك أشد. إذن: فعلمك بشيء وهو الحر الذي ستواجهه إن خرجت للجهاد، يجب ألا ينسيك ما غاب عنك، وهو أن نكوص الإنسان عن الجهاد يدخله نارا أشد حرارة، يخلد فيها. ومعنى ذلك أنه لم يفقه لأنه علم شيئا وغاب عنه أشياء. ومن هذا المنطق القرآني، رد الإمام علي كرم الله وجهه على القوم حينما دعاهم إلى الجهاد ضد الخوارج فقال: " أما بعد، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فمن تركه رغبة عنه سيم الخسف ". ثم يقول بعد ذلك: " إن قلت لكم: اغزوهم في الشتاء، قلتم: هذا أوان قر وصر.. أي برد شديد. وإن قلت لكم: اغزوهم في الصيف، قلتم: أنظرنا - أي أمهلنا - حتى ينصرف الحر عنا، فإذا كنتم في البرد والحر تفرون، فأنتم والله في النار. يا أشباه الرجال ولا رجال ". وقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون ﴾ أي: أنهم لو كانوا قد فرحوا وابتهجوا بأنهم لم يجاهدوا في الحر، فهم سوف يندمون كثيرا على ذلك، مصداقا لقوله تعالى: ﴿ فليضحكوا قليلا وليبكوا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٢٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٢٧٤