" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ".
لأنه ساعة يزني لو تخيل أو تأكد أنه سيلقى في النار جزاء ما فعل، فلن يقدم على الزنا أبدا. وكذلك شارب الخمر لا يمكن أن يضع الكأس في فمه. إذا تخيل النار وهو يعذب فيها. ولكن الغفلة عن الإيمان تحدث لحظة ارتكاب المعصية لأن الإيمان يقتضي أن تستحضر العقوبة ساعة تقدم على المعصية، وأن تعلم يقينا أن كل ما تفعله ستحاسب عليه في الآخرة، وسيكون هناك جزاء. فإذا ضحكت من مطلوبات الإيمان فلا بد أن تبكي في الآخرة. فإن فرحت - مثلا - بترك الصلاة أو الزكاة، واعتقدت أنك قد غنمت في الدنيا، فلا بد أن تندم ويصيبك الغم في الآخرة. وإذا تنعمت بمال حرام فلا بد أن تعذب به في الآخرة. والحق سبحانه يقول:
إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين
[المطففين: 29-31]. هكذا يعطينا الله عدة صور من السخرية التي يتعرض لها المؤمنون في الدنيا، وأولى هذه الصور هي ضحك المنافقين والكفار من المؤمنين، كأن يقول أحدهم لإنسان مؤمن يقوم إلى الصلاة: خذنا على جناحك في الآخرة. ثم بعد ذلك يأتي الغمز واللمز، ثم إذا ذهب المنافق إلى أهله أخذ يسخر من الطائعين ويقول: لقد فعلت كذا وكذا لإنسان متدين. وسخرت منه ولم يستطع أن يرد. ويشعر بالسرور وهو يحكي القصة فرحا بما عمل. وينسى أنه قد ارتكب ثلاثة جرائم: جريمة العمل، وجريمة الفرح بالعمل، وجريمة الإخبار بالعمل. فلو أنه سخر من المؤمن، ثم ندم بعد ذلك، ربما كانت عقوبته هينة. ولكن ما دام قد فرح بذلك تكون له عقوبة أكبر، فإذا انقلب إلى أهله يروي لهم ما حدث، وهو فخور مسرور تكون له عقوبة ثالثة. وليتهم توقفوا عند ذلك بل اتهموا المؤمنين بالضلال مصداقا لقوله تعالى:
وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ أرسلوا عليهم حافظين
[المطففين: 32-33]. أي: أنهم زادوا على كل هذا باتهام المؤمنين بالضلال. هذا ما صنعوه في الدنيا. وهي فانية وعمرها قليل. ثم يأتي سبحانه وتعالى بالمقابل في الآخرة فيقول:
فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على الأرآئك ينظرون * هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون
[المطففين: 34-36]. فكما ضحك الكفار من المؤمنين في الدنيا سيضحك المؤمنون من الكفار في الآخرة، وسيجلس المؤمنون على الأرائك في الجنة وهم ينظرون إلى الكفار وهو يعذبون في النار، أي: أن الله جزاهم بمثل عملهم مع الفارق بين قدراتهم المحدودة وقدراته - سبحانه - التي لا حدود لها. ولم يقل الحق سبحانه وتعالى: " سيضحكون " ككلام خبري، يجوز أن يحدث أو لا يحدث، بل جاء به مؤكدا. وقوله هنا في المنافقين ﴿ فليضحكوا ﴾. يعني: أن الضحك لا بد أن يحدث لأن هذا كلام من الله سبحانه وتعالى. فقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزآء بما كانوا يكسبون ﴾ يعطينا العلة أو السبب في أن ضحكهم سيكون قليلا، وبكاءهم سيكون كثيرا لأن هذا جزاء ما فعلوه في الدنيا. لقد فرحوا بالفرار من الجهاد. وسروا بالراحة في المدينة، فلا بد أن يلاقوا في الآخرة جزاءهم عن هذا العمل، كما سيثاب المؤمنون على ذهابهم للجهاد في الحر. إذن: فالحق سبحانه لم يظلمهم، بل أعطاهم جزاء ما عملوه. كما قال: ﴿ جزآء بما كانوا يكسبون ﴾ وكلمة ﴿ يكسبون ﴾ هنا لها ملحظ لا بد أن نبينه، فقد كان من الممكن أن يقال " جزاء ما كانوا يعملون " أو " جزاء ما كانوا يفعلون " ، فلماذا جاء الحق ب ﴿ يكسبون ﴾ ، وما الفرق بينها وبين " ما يفعلون " و " ما يعملون "؟ نعلم أن لكل جارحة من جوارح الإنسان مجال عمل فالأذن تسمع، والعين ترى، واليد تمسك، والقدم تمشي، والأنف يشم، والأنامل تملس.