تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان العباس طويل القامة وثيابه تمزقت في المعركة، فلم يجدوا طويلا مثله إلا عبد الله بن أبي، فأعطاهم قميصه ليلبسه العباس، فلم ينس رسول الله ذلك له. ومن أجل هذا استغفر له رسول الله، لكن الحكم الأعلى قد جاء ﴿ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ﴾ فليس المهم فقط هو استغفار رسول الله لأن هناك ممحصات للذنب، فمن أذنب عليه أن يأتيك أولا يا رسول الله، ليستغفر الله، ثم يسألك أن تستغفر له الله، حتى يجد الله توابا رحيما، فسبحانه القائل:

ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جآءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما

[النساء: 64]. فالذي يريد أن يتوب ويستغفر، لا يستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا إذا استغفر مرتكب الذنب أولا، فلا بد أن يستغفروا الله من الذنوب أولا ثم يستغفر لهم الرسول. ولا يستغفر لهم الرسول وهم لا يستغفرون، وهكذا نعلم أن عبد الله بن أبي لم يفطن إلى كيفية الاستغفار، فقد كان عليه أن يأتي لرسول الله صاغرا ليستغفر الله أمامه، لا أن يبحث عمن يطلب له الاستغفار. ثم يأتي الحق سبحانه وتعالى موضحا سبب عدم غفرانه، فيقول: ﴿ ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ وحين ينفي الحق سبحانه وتعالى الهداية عن إنسان، فليس معنى هذا أن يقول الفاسق: الله لم يهدني فماذا أفعل؟ ويحمل المسألة كلها لله. بل نسأل الفاسق: لماذا لم يهدك؟ لأنك فسقت. إذن: فعدم الهداية من الله لك كان بسبب أنك أخذت طريق الفسق والبعد عن منهج الله، ومن هنا فالهداية المقصودة في هذه الآية ليست هي الهداية بمعنى الدلالة على طريق الخير لأن الدلالة إلى طريق الخير تأتي من الله للمؤمن والكافر فمنهج الله الذي يبلغ للناس كافة، يريهم طريق الخير ويدلهم عليه. ولكن المقصود هنا هو الهداية الأخرى التي يعطيها الحق لمن دخل في رحاب الإيمان وآمن وحسن عمله، وتتمثل في قوله الحق:

والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم

[محمد: 17]. إذن: فكل من مشى في طريق الإيمان أعانه الله عليه. وفي المقابل نقرأ قول الحق سبحانه وتعالى:

إن الله لا يهدي القوم الظالمين

[الأحقاف: 10]. وكذلك قوله سبحانه:

والله لا يهدي القوم الكافرين

[التوبة: 37]. وأيضا قوله الكريم:

والله لا يهدي القوم الفاسقين

[الصف: 5]. لا نقول أبدا: إن هؤلاء معذورون لأن الله لم يهدهم لأنه سبحانه قد هداهم ودلهم جميعا على طريق الخير، ولكنهم هم الذين أخذوا طريق الكفر والظلم والفسوق. واقرأ إن شئت قول الله عز وجل:

وأما ثمود فهديناهم

[فصلت: 17]. فماذا صنعوا في هدايته لهم: ﴿ فاستحبوا العمى على الهدى ﴾ ، أي: أن الحق سبحانه بين لثمود طريق الخير، ولكنهم اختاروا الضلالة. إذن: فهداية الدلالة للجميع، وهداية المعونة للمؤمنين. ثم يعطينا الحق سبحانه وتعالى صورة أخرى للمنافقين فيقول: ﴿ فرح المخلفون بمقعدهم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٢٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٢٧٢