تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومكروا ومكر الله...

[آل عمران: 54]. وحين يقول:

يخادعون الله وهو خادعهم...

[النساء: 142]. هنا نجد فعلا من صنع الله، وقد نرى من البشر من يفعل نفس الفعل، لكن نحن المسلمين نأخذ الفعل من الله على غير الفعل من البشر. وعلى سبيل المثال: إذا جئنا لقول الله: ﴿ ومكروا ومكر الله ﴾ المكر هو التغلب بالحيلة على الخصم بأن توهمه أنك تفعل له خيرا، بينما أنت تضمر له الشر، كأن تحفر حفرة كبيرة مثلا وتغطيها ببعض الحشائش والزهور، ثم تطلب من خصمك أن يأتي لك بزهرة، فيسقط في الحفرة وتتكسر عظامه.

إذن: فأنت قد كدت له كيدا خفيا. والكيد والمكر لا يدلان على القوة إنما يدلان على الضعف لأن الشجاع القوي هو الذي يجاهر بعدائه لأنه قادر على عدوه، لكن الضعيف هو الذي يستخدم الحيلة والمكر ليوقع بخصمه. ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يقول في النساء:

إن كيدكن عظيم

[يوسف: 28]. وما دام كيدهن عظيما، فضعفهن عظيم لأن الضعيف هو من يكيد، ولكن القوي لا يعجزه طلب خصمه ويقول له: اذهب حيثما شئت، وسآتي بك عندما أريد، لا يوجد مكان تهرب فيه مني، إنما الضعيف إذا تملك من خصمه فإنه يقضي عليه تماما لأنه يعرف أنها فرصة لن تتكرر. ولذلك قال الشاعر:

وضعيفة فإذا أصابت فرصة

قتلت كذلك فرصة الضعفاء

أما القوي فإنه يقدر ويعفو لأنه يعرف أنه يستطيع الإتيان بخصمه وقتما يشاء. والأصل في المكر هو الشجرة الملتفة الأغصان كأنها مجدولة بحيث لا تستطيع أن تميز الورقة التي تراها من أي فرع نبتت، فيلتبس عليك الأمر، كذلك المكر تختلط عليك الأمور بحيث لا تعرف أين الحقيقة. وأنت تمكر بقدر تفكيرك وعقلك، ولكن الحق سبحانه وتعالى حين يجازيك بمكرك يكون الجزاء رهيبا لأن مكرك مفضوح عند الله، ولكنك لا تعرف شيئا مما أعده الله لك. ولقد نصر الحق سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في الأمور العلنية في المعارك، ونصره أيضا في كل أمر مكروا فيه وبيتوه له. وعلى سبيل المثال، حين وقف الكفار على باب بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه في ليلة الهجرة. أوحى له ربه أن: اخرج ولا تخش مكرهم، فخرج صلى الله عليه وسلم ليجدهم نياما وهم واقفون، أعينهم مفتوحة ولكن لا تبصر. ويخرج صلى الله عليه وسلم من وسطهم. ويأخذ التراب، ويلقيه عليهم وهو يقول:

" شاهت الوجوه ".

وعندما يبتعد صلى الله عليه وسلم عن المكان يستيقظون مرة أخرى، ويتعجبون كيف أفلت منهم. وقد أراد الحق سبحانه أن يعلموا أنهم لن يستطيعوا النيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا بالمعارك المفتوحة ولا بالمكر الخفي. وقوله تبارك وتعالى: ﴿ فيسخرون منهم سخر الله منهم ﴾ تعرف منه أن سخرية الله جاءت جزاء لهم على سخريتهم، والساخر من البشر لا يتجاوز في فعله أكثر من العيب في غيره. ولكن سخرية الله تتجاوز إلى العذاب. ولذلك قال الحق سبحانه: ﴿ ولهم عذاب أليم ﴾ وهذا هو التميز في فعل الله عن فعل البشر، فالذين سخروا من المؤمنين عابوا عليهم ما فعلوه، يسخر منهم الحق يوم القيامة أمام خلقه جميعا، ثم يزيد على ذلك بالعذاب الأليم.

لقد عرفنا من قبل أن هناك عذابا أليما، وهناك عذاب عظيم، وعذاب مهين، وكلها صفات للعذاب، فالعذاب هو الإيلام، ولكن هناك من يفزعه الألم فيصرخ. وهناك من يحاول أن يتجلد ويتحمل لأن كبرياءه يمنعه أن يصرخ، وفي هذه الحالة يكون عذابه مهينا لأنه بكبريائه تحمل الألم فيهان في كبريائه وبذلك يكون عذابه مهينا. والعذاب قد يأخذ زمنا طويلا أو قصيرا، وهناك عذاب عظيم في الإيلام وعظيم في الإهانة. والعذاب العظيم في الإيلام أي مبالغ فيه من ناحية الألم. والعذاب العظيم في الإهانة مبالغ فيه من ناحية الإهانة. والعذاب العظيم في الوقت مبالغ فيه من ناحية الزمن، ولذلك يقال عنه " عذاب مقيم " أي: يأخذ الزمن كله لا يتوقف ولا يقل. ثم يعرض الحق سبحانه وتعالى صورة أخرى من صور تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المنافقين. ومع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف المنافقين، وقد أعلمه سبحانه بأمرهم حين قال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٢٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٢٦٩