ولما جاء عبد الرحمن بن عوف قال له أخوه من الأنصار: أقاسمك مالي. قال: بارك الله لك في مالك، دلني على السوق. وذهب إلى السوق. وبارك الله له في تجارته. فكان يقسم ربحه نصفين نصفا للصدقة ونصفا لأهله. وقد جاء عبد الرحمن بن عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله اكتسبت ثمانية آلاف درهم أقرض الله أربعة وأبقي لأهلي أربعة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" بارك الله لك فيما أقرضت وفيما أبقيت "
وحينما مات عبد الرحمن بن عوف أحصوا ثروته، وحدث خلاف في تقديرها، وأراد الورثة أن يسترضوا زوجته الرابعة، وكان اسمها " تماضر " بأن يعطوها ثمانين ألف درهم، ولما كانت تماضر واحدة من أربع نساء، والنساء الأربع يرثن ثمن الثروة، أي: أن قيمة الثروة كلها على أقل تقدير بلغت مليونين وخمسمائة وستين درهما. وكان عبد الرحمن لا يتاجر إلا في ماله. فلما بلغ المنافقين ما تصدق به عبد الرحمن بن عوف قالوا: ما تصدق عبد الرحمن إلا رياء وسمعة. وهل الرياء يطلع عليه الناس أم يعرفه الله وحده؟ وجاء عاصم بن عدي، وكان صاحب بستان أعطى ثمرا كثيرا، فجاء بمائة حمل من التمر وتصدق بها، فقال المنافقون: والله ما فعل عاصم هذا إلا رياء. وجاء رجل يدعى أبا عقيل الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، لقد بت ليلتي أعمل، وأخذت أجري صاعين من التمر، احتفظت لأهلي بصاع وجئتك بصاع لأتصدق به. قال المنافقون: تصدق بصاع من التمر، الله ورسوله غني عن صاعك يا أبا عقيل. هم إذن قد عابوا على عبد الرحمن بن عوف الذي تصدق بالكثير وقالوا هذا رياء، وعندما جاء عاصم بن عدي قالوا: يرائي بالتصدق بنصف ثمار حديقته، وعندما جاء من لا يملك إلا صاع تمر يتصدق به قالوا: الله ورسوله غني عن تمرك، لقد سخروا ممن أعطى الكثير، وسخروا ممن أعطى القليل. وكان يجب أن يمدح المتصدقون ولا يسخر منهم لأن كلا منهم تصدق على قدر طاقته، وهم أعطوا منه فضل ما أعطاهم الله قل أو كثر. ولذلك فمن يسخر من هؤلاء المؤمنين لا بد أن يلام على الخلق السيىء الذي تمثل في مقابلة السلوك الإيماني بالسخرية والاستهزاء، ولذلك كان جزاء الساخرين أن سخر الله منهم، وجعل لهم عذابا أليما. والسخرية هي الاستهزاء بفعل شخص ما. وهؤلاء المنافقون حين يسخرون من المؤمنين، فسخريتهم لم تتجاوز عدم رضاهم عمن فعل الخير، وهم بسخريتهم لم يستطيعوا إلا الإيذاء المعنوي للمؤمنين المتصدقين، ولكن حين يسخر الله فهذه أولا عدالة الجزاء لأنها من جنس ما فعلوا، ولكن هل سخرية الحق سبحانه وتعالى تقتصر على عدم الرضا أم أن هناك جزاء؟ هناك جزاء من الله.
وإذا كان الجزاء يتفاوت بتفاوت قدرة الساخر. فهناك فارق شاسع بين قدرات الله وقدرات البشر. والذين سخروا من المؤمنين حين تصدقوا بالقليل الذي يملكونه تصدى الله سبحانه وتعالى ليرد عليهم وعلى سخريتهم. ويريد الحق بذلك أن يعطينا صورة عن كيفية دفاعه عن المؤمنين المخلصين في إيمانهم. فإذا أضفنا إلى ذلك أن الحق تبارك وتعالى، هو الذي سيعاقب المنافقين، فالعقاب سيكون أليما مهينا. وقلنا من قبل: إن الذي يخطئ في حق غيره، فهذا الغير يرد الخطأ بعقاب على حسب قدرته. ولكن إن عفا عنه، نقول لمن أخطأ: لا تعتبر هذا العفو لصالحك، بل هو عكس ذلك تماما لأن الذي يعفو إنما ترك الحكم لله، وسوف يكون عقابك لا قدر قوة وطاقة من عفا عنك، ولكنه ترك عقابك لله، وسيكون عقابك على قدر قدرات الله. إذن: فالذي ينتقم ويرد على من أخطأ في حقه، إنما يأخذ على قدر قوته، وأما الذي يعفو فهو يأخذ على قدر قدرات الله، وهناك مرتبة أعلى من ذلك جعلها الله سبحانه وتعالى للمذنب، والذي وقع الاعتداء عليه لأن الحق سبحانه وتعالى رب الاثنين: فإن أساء إليك إنسان قد ترد عليه الإساءة بطاقتك، وقد تعفو فيرد الله عليه بقدرته وطاقته. ولكن خير من ذلك أن تحس أن الذي أساء إليك في حقيقة الأمر قد أحسن إليك، مع أنه لم يقصد ذلك، كيف؟ إذا دخلت بيتك ووجدت أحد أبنائك قد ضرب أخاه وأساء إليه، مع من يكون قلبك وعطفك؟ إن قلبك يكون مع الذي اعتدي عليه وأسيء إليه فتحاول أن ترضيه، وتأتي إليه بهدية أو تعطيه مبلغا من المال، أو غير ذلك من أنواع الإرضاء، وقيل: من آداب دينك - الإسلام - أن تحسن إلى من أساء إليك لأنه يقدم معروفا دون أن يقصد. ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يطلب منك أن تعفو عمن أساء إليك. ويقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ فيسخرون منهم سخر الله منهم ﴾ وإذا سمعت فعلا من البشر يقابله فعل من الله، إياك أن تفهم الفعل من الله كما فهمت فعل البشر، فحين يقول سبحانه: