اصبروا وصابروا...
[آل عمران: 200]. أي: إن واجهكم عدوكم بالصبر، فليكن صبركم أقوى منه، فتغلبوه بالصبر والتحمل، فقف صابرا في مواجهتهم ومعك المؤمنون برسالتك، فمعسكر الإيمان لا بد أن يواجه معسكر الكفر والنفاق، والكافر هو الذي جحد الإيمان بقلبه وأعلن الكفر بلسانه، أما المنافق فهو من كفر في باطنه ويعلن الإيمان في ظاهره.
وهذا هو الذي يجب أن نحذر منه أشد الحذر لأننا لا نعرفه فنتقي شره مثل الكافر، فقد يطعنا المنافق من الخلف ونحن آمنون له مطمئنون إليه، فتكون طعنته مؤثرة وأليمة. ويوضح الحق لرسوله صلى الله عليه وسلم: إن العداوة التي سيواجهها وهو يبشر بمنهج الله ستأتيه من اثنين من كافر أو منافق، أي من مجاهر بعدم الإيمان، أو ممن كفر بقلبه وتظاهر بالإيمان بلسانه. أما المنافق فإنه عدو صعب لأنه يغشنا فلا نأمنه، رغم أن النفاق في حد ذاته بالنسبة لمنهج الله هو دليل قوة هذا المنهج لأنه لا ينافق إلا القوي، أما الضعيف فلا ينافقه أحد. ولذلك لم يكن هناك منافقون أثناء وجوده صلى الله عليه وسلم في مكة قبل الهجرة لأن المسلمين كانوا قلة ضعافا، وكانوا معذبين مضطهدين. ولم يكن هناك ما يغري أحدا بنفاقهم لأنه لا توجد استفادة من هذا النفاق، بل سيتعرض من يتعاطف معهم للتعذيب والاضطهاد. والمنافق في إظهاره غير ما يبطن إنما يحقق لنفسه مصلحة ذاتية. واختلف الحال بعد أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وظهر المنافقون بعد أن أصبح للإسلام دولة وقوة. والمنافق في هذه الحالة إنما يعلن إيمانه زيفا، ليستفيد من قوة المسلمين لصالحه. إذن: فالنفاق ظاهرة مرضية في المنافق، ولكنها دليل قوة للمؤمن الذي ينافقه. ونلحظ أنه سبحانه وتعالى قد قدم في هذه الآية ذكر الكفار على المنافقين. وقدم في آيات أخرى المنافقين على الكفار. والصدام - كما نعلم - قد حدث أولا مع الكفار، ففي أول الدعوة لم يوجد هذا الصنف المنافق، بل كان هناك مؤمنون وكفار، وجهاد الكفار جاء على مراحل، وليس على مرحلة واحدة، وكانت أولى مراحل الجهاد هي الجهاد بالحجة لأن المؤمنين في أول الأمر كانوا قلة ضعيفة لا يملكون قوة يواجهون بها هذا المد الكبير من الكفار. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض قضايا الإيمان بالحجة لإقناع العقل لعل عقولهم تفيق فيؤمنون بمنهج الحق. فيسألهم مثلا عمن خلق السماوات والأرض؟ وحين يديرها الكافر في عقله لا يجد أن أحدا ادعى - أو يستطيع أن يدعي - أنه خلق السماوات والأرض، فلا يكون جوابهم إلا أن الخالق هو الله سبحانه وتعالى، لماذا؟ لأن الإنسان في تكوينه قد يدعي أشياء ليست له، ولكنه لا ينفي أمرا هو صاحبه. فمخترع أي شيء أو صانعه لا يمكن أن ينكر أنه صنع أو اخترع، بل يحب أن تعرف الدنيا كلها أنه اخترع أو صنع ولهذا فأنت لا تجد شيئا ينتفع به في الكون مهما كان تافها إلا وعرفنا تاريخه، ومن أين جاء، ومن الذي اخترعه أو اكتشفه أو صنعه، والمثال هو ما درسناه في المدارس عن الذي اكتشف الكهرباء، والذي صنع المصباح الكهربائي، ومن الذي طوره.
وكذلك اختراع الطائرة، ومعروف لنا كيف نشأت فكرة الطيران بعباس بن فرناس الذي حاول الطيران بذاته بواسطة أجنحة كبيرة، وهكذا كانت البداية. إذن: فكل شيء نافع في الكون معروف من الذي اكتشفه أو صنعه أو اخترعه. فإذا كان هذا هو الحال بالنسبة للصناعات البشرية المحدودة، فما بالك بالنسبة للكون؟ وحين نسأل: من الذي أوجد الشمس؟ ألا يستحق خالقها أن نعرف من هو، خصوصا ونحن نعرف من الذي اخترع مصباح الكهرباء وأوجده في حياتنا؟ وإذا كنا نملأ الدنيا بالحديث عن مخترع مصباح الكهرباء الذي ينير حجرة محدودة لوقت، وقامت مصانع كبيرة لتنتج هذا الاختراع، أفلا نستحق أن نعرف من الذي أوجد الشمس التي تنير نصف الكرة الأرضية في نفس اللحظة؟ هذه الشمس التي تشرق منذ ملايين السنين، ولم تنطفئ مرة واحدة، ولا احتاجت قطعة غيار طوال هذ العمر الطويل، ولا بد أن يكون لها صانع تتناسب قوته وقدرته مع ذلك الإعجاز الذي نراه سواء في الضوء، أو في خصائص هذا الضوء، أو في دقة الصنع فهي لا تتأخر ثانية ولا تتقدم ثانية عن الظهور، ولا بد أن يكون صانعها له من القوة ما يتناسب مع عظمة هذا الخلق. فإذا جاء الرسول وأبلغنا أن الله هو الذي خلق الشمس، فإما أن يكون صادقا فنسلم جميعا بأن الله هو الخالق والموجد. وإما أنه غير صادق، فنقول: لماذا لم يخرج إذن أحد يدعي أنه هو الذي خلقها. ولكن دقة وإعجاز الخلق الذي لا يمكن أن تصل إليه قوة بشرية مفردة، أو قوى بشرية متعددة متعاونة، جعل القضية محسومة له سبحانه وتعالى. وإلى أن يأتي من يدعي أنه خلق الشمس، ولن يأتي فقضية الخلق محسومة لله سبحانه وتعالى، ولا يوجد هناك منازع. ويأتي رسول ليقول: إن خالق الأرض والشمس والسماوات والكون هو الحق سبحانه وتعالى، فلم يأت أحد ويدعي أنه قد خلق شيئا من هذا، مما يؤكد صحة دعوى الرسول، مما يؤكد أن من أوجد هذا الكون هو قوة بلا حدود، وقدرة بلا قيود، وهو الأحق بالعبادة من هذه الأصنام والآلهة التي يدعونها. وتمضي الدعوة بالمنطق ليسألهم من الذي خلقهم؟ مصداقا لقول الحق سبحانه وتعالى: