تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب * وامرأته حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد
[المسد: 1-5]. وقد حكم الله سبحانه وتعالى في هذه السورة الكريمة بأن أبا لهب وامرأته سيموتان كافرين وسيدخلان النار، ولكن كثيرا ممن كانوا كفارا وقت نزول هذه السورة مثل: خالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل، وعمرو بن العاص وغيرهم آمنوا وحسن إسلامهم وجاهدوا في سبيل الله، فلماذا حكم رسول الله بأن أبا لهب وامرأته لن يؤمنا كما آمن عمرو، وكما آمن عكرمة، وكما آمن خالد بن الوليد وغيرهم؟ نقول: إن هذا ليس حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه الحق سبحانه وتعالى، وإذا حكم الله فإياك أن تشك في هذا الحكم لأنه لا إله إلا الله وهو على كل شيء قدير.
لذلك جاءت هذه السورة، وبعدها في المصحف الشريف في سورة الإخلاص:
قل هو الله أحد * الله الصمد
[الإخلاص: 1-2]. وما دام الله أحدا فأمره نافذ حتى في الأمور الاختيارية في الحياة، فإذا قال الله: ﴿ لا مبدل لكلماته ﴾. وإذا وعد بخير فإنه سيأتي لا محالة، وإذا أوعد بشر فسوف يقع حتما. إذن: فلكي تستقيم موازين الحياة، كان لا بد أن يأتي الوعد والوعيد من الحق سبحانه وتعالى حتى نكون على يقين بأنه سيحدث لأنه لا أحد يشارك الله في ملكه، ولا يوجد قوي إلا الله، ولا غالب إلا الله لأنه هو الله أحد. وقد يأتي الحق سبحانه وتعالى بسنة كونية واقعة، فأنت حين تزرع الأرض وتحسن حرثها، وريها ووضع البذور فيها يأتيك المحصول بخير عميم. وإذا أهملت الأرض وتركتها بلا حرث ولا زرع ولا بذور فهي لا تعطيك شيئا. إذن: فالسنة الكونية هنا أعطت وعدا للذي يجد في زراعة أرضه بالمحصول الوفير، وأعطت وعيدا للذي لا يقبل على زراعة أرضه بأنه لا يحصل على ثمرة واحدة منها. ولو اختلف الأمر ووجدنا من زرع وحرث وسقي لم يحصل على الثمار، ومن لم يزرع ولم يفعل شيئا أعطته الأرض من ثمارها الكثير، لانقلبت المعايير في الكون، وما وجدنا أحدا يزرع أرضه. إذن: فلكي تستقيم سنة الحياة، إما أن يكون الوعد والوعيد من قادر على التنفيذ لا يضعف ولا يتغير. وإما أن يكون بسنة كونية نراها أمامنا في كل يوم ولا يقع ما هو مخالف لها. فالذي يجتهد ينجح، والذي لا يذاكر يرسب. سنة كونية. لو صدقت مع الواقع يعتدل ميزان الحياة. ولو لم تصدق مع الواقع وتدخلت الأهواء لتجعل من لا يذاكر ينجح ومن يذاكر يرسب اختلف حركة الحياة المثمرة الناجحة. إذن: فميزان الوعد والوعيد هو دولاب حركة الحياة، فإن اختل هذا الميزان وجاء الوعد مكان الوعيد أي كوفئ الذي لا يعمل وعوقب الذي يعمل فسد الكون. لماذا؟ لأن كل إنسان يحب النفع لنفسه، ولا يختلف في ذلك مؤمن أو عاص أو كافر، ولكن العاصي والكافر يحبان نفسيهما حبا أحمق فيحققان لها نفعا قليلا زمنه محدود بعذاب مستمر زمنه بلا حدود. أما المؤمن فهو إنسان يمتاز بالذكاء وبعد النظر لذلك فهو حرم نفسه من متعة عاجلة في زمن محدود، ليحقق لها متعة أكبر في زمن لا ينتهي. ولقد ضربنا مثلا لذلك - ولله المثل الأعلى - فقلنا: هب أن هناك أخوين: أحدهما يستيقظ من النوم مبكرا، فيصلي ويفطر ويأخذ كتبه ويذهب إلى المدرسة، ويحسن الإنصات للمدرسين ويعود إلى البيت ليذاكر دروسه.
والآخر يظل نائما يتمتع بالنوم، ويقوم عند الضحى، فيخرج ليتسكع في الشوارع، وحين تحدثه نفسه بأي متعة فهو يحققها بصرف النظر عن منهج الله وقيم الحياة. إن كلا الأخوين يحب نفسه، لكن الأول أحب نفسه فأعطاها مشقة محتملة في سنوات الدراسة لتعطيه راحة ومركزا ومالا بقية حياته، أما الأخ الثاني فقد أحب نفسه أيضا وأعطاها المتعة العاجلة ولكنه أضاع مستقبله كله، فلم يعد يساوي شيئا في المجتمع. إذن: فكل منا يحب نفسه، ولكن مقاييس الحب هي التي تختلف. فمنا من يأخذ المقياس السليم، فيتحمل مشقة قليلة ليأخذ نعيما أبديا، ومنا من يعطي نفسه متعة عابرة ليفقد نعيما مقيما. والعجيب أنك تجد أن هذه هي سنة الحياة الدنيا، فلا تجد إنسانا ارتاح في حياته إلا إذا كان قد أجهد نفسه في سنواته الأولى ليصل إلى الراحة بقية عمره، ولا تجد إنسانا فاشلا عالة على المجتمع إلا إذا كان قد أخذ حظه من الحياة في أولها ليشقى بقية عمره. لذلك يقال دائما: إنه لا يوجد من يأخذ حظه من الحياة مرتين أبدا، فالذي يتعب في أول حياته يرتاح بقية عمره، والذي يرتاح أول حياته يتعب بقية عمره. والمثل الشائع يقول: من جار على شبابه، أي: ضيعه فيما لا يفيد جارت عليه شيخوخته. والقائمون على الأمر عليهم أن ينبهوا المقبلين على الحياة بالوعد والوعيد حتى يستقيم أمر حياتهم، وعليهم ألا يؤجلوا الوعد إلى أن تنضج الثمرة. ولا الوعيد إلى أن يحدث الشر ويقع. وعلى كل ولي أمر في أي مكان أن يراقب حركة المقبلين على الحياة من أبنائه أو من يتولى أمرهم، فيشجع ويعد المجتهد، ولا ينتظر حتى ينجح، بل لا بد من الوعد لكي يتم الاجتهاد. ولا بد من الوعيد قبل أن يرسب الابن أو يضيع حياته، فلا ننتظر حتى يفسد الإنسان ثم بعد ذلك نتوعده لأن الوعد والوعيد هما اللذان يزنان حركة الحياة. ولكن إذا رأينا في مجتمع ما أن الذي يعمل لا يأخذ شيئا، والذي لا يعمل يأخذ كل شيء، نعرف أن مقاييس العمل قد اختلت. وأن المتاعب قد بدأت في المجتمع لأن الذي يعمل حين يجد أن العمل لا يوصله إلى شيء فهو يوجه حركة حياته إلى غير عمله، فيبذل جهده كله في النفاق والرياء، وقلب الحقائق وإرضاء الذي يملك الأمر. وتكون النتيجة هي فقدان المجتمع لقيمة العمل فيصبح المجتمع بلا عمل منتج، ويصير مجتمعا بارعا في النفاق والرياء وضياع الحق. وقد وضع الحق سبحانه وتعالى مقياس حركة الحياة في الوعد والوعيد فلا تعط حافزا إلا لمستحق، ولا مكافأة إلا لمجتهد ولكنك إذا بعثرت الحوافز على المنافقين، والذين يحققون لك أهدافك الشخصية، كأن يخدموك في بيتك أو يقضوا لك مصالحك الخاصة، ومنعت الحوافز عن الذي يعمل في جد، تكون بذلك قد أفسدت حركة الوعد والوعيد فتختل حركة الحياة في المجتمع لأن حركة كل إنسان يتقن العمل ويجيده، هي حركة تنفع المجتمع كله، بصرف النظر عن صاحب الحركة نفسه، فإذا وجد عامل نشيط أنجز مصالح عشرات الناس، أو موظف مخلص ارتاح كل من يتعاملون معه، فإن أضعت أنت هؤلاء، فكأن المجتمع هو الذي خسر.