" لا يمل الله حتى تملوا ".
والحق جل جلاله لا يشغله شيء عن شيء ولذلك فهو يقابل كل عباده في وقت واحد، ويستمع إليهم في وقت واحد، ويجيبهم إلى ما يطلبون في وقت واحد. ويقول سبحانه: ﴿ ويقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة ﴾ والصلاة تأتي مع الزكاة باستمرار لأن في الصلاة استدامة ولاء لله المعطي، وفي الزكاة استبقاء حياة من يستحق أن تعطيه، فأنت تعطيه لتستبقي له حياته فيواصل الولاء لله معك لأنه لا ولاء إلا بحياة، وأنت تساعده على استبقاء هذه الحياة ولأن الزكاة إعطاء مال للفقير، والمال يأتي بالعمل، والعمل يحتاج إلى وقت، إذن: فأنت ضحيت بجزء من وقتك لتتصدق به، وفي الصلاة ضحيت بوقتك في أوقات محددة. وفي الأوقات التي تعمل فيها هناك استدامة الولاء، بأن تخصص جزءا من أثر هذا الوقت للزكاة، فلا يكون كل وقتك للعمل، وإنما يكون وقتك فيه عمل وفيه عبادة، فحين تخصص جزءا من مالك الذي سيأتيك من العمل للزكاة تكون قد زكيت الوقت بالصلاة، وزكيت المال بالعطاء. ويقول الحق: ﴿ ويقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة ويطيعون الله ورسوله ﴾. وقد ذكر الحق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. وهذه كلها طاعة لله بإقامة أركان الإسلام، فلماذا يقول سبحانه: ﴿ ويطيعون الله ﴾؟ نقول: الله سبحانه ينبهنا إلى أن أركان الإسلام الخمسة وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا، هذه الأركان ليست هي كل الإسلام. بل هي القواعد التي بني عليها الإسلام لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بني الإسلام على خمس ". إذن: فهذه هي الأعمدة أو الأسس التي بني عليها الإسلام. ولكن الإسلام هو كل حركة في الحياة تصلح ولا تفسد، وتسعد ولا تشقى، ولذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أن نفهم أن الإسلام ليس فقط بالأسس التي وضعت، ولكن لا بد من طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فيما أمرنا به في كل حركة الحياة. وحركات الحياة كلها متكاملة، وإذا نظرت للشيء الذي تستفيد به تجده وليد حركات متعاقبة ممن سبقوك حتى آدم عليه السلام، فإذا أخذنا أبسط الأشياء وهي وضع خميرة في عجينة الخبز وكيف عرفنا هذا؟ نجد أننا أخذناها جيلا عن جيل. والذي بدأها ألهمه الله بحادث يقع أو بخطأ يتم إلى أن وصل إلى قيمة وضع الخميرة في العجين ليكسب الخبز طعما، ومعظم مبتكرات الحياة قد أتت بالصدفة أو نتيجة أخطاء. فالبنسلين - على سبيل المثال - اكتشف نتيجة خطأ. وقاعدة أرشميدس التي بنيت عليها نظريات الغواصات اكتشفت نتيجة ملاحظة ألهمها الله لأرشميدس. وحين يأتي ميلاد كشف جديد للبشرية، فسبحانه يهدي خلقه إلى هذا الكشف ولو كان بخطأ يقع منهم.
ومثال آخر: ما الذي جعلك تفهم أن اللحم حين ينضج على النار أو يشوى يكون طعمه أحلى؟ ما الذي جعلك تطهو بعض أنواع الخضراوات ولا تطهو أنواعا أخرى. كل هذا هدانا إليه الله.
الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى
[الأعلى: 2-3]. إذن: فكل ما ننتفع به في حركة الحياة، قد أتانا من أجيال مضت ولذلك من يأتي ليقول: سأنقطع للعبادة صلاة وصوما لأن الحق سبحانه وتعالى قال في كتابه العزيز:
وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون
[الذاريات: 56]. نقول: سنوافقك على انقطاعك للصلاة والصوم فقط. ولكنك لكي تصلي أنت تحتاج إلى طعام يعطيك القوة والقدرة لتصلي وإلا فسيستحيل عليك أداء الصلاة. هب أنك ستأكل رغيفا من الخبز فقط، من أين تأتي بهذا الرغيف؟ من البقال. ومن أين أتى به البقال؟ من المخبز. ومن أين جاء المخبز بالدقيق؟ من المطحن. ومن أين جاء المطحن بالقمح؟ من مخزن الغلال. ومن أين جاء المخزن بالقمح؟ من المزارع. والمزارع أتى بمحاريث وآلات من المصانع لكي يحرث الأرض، وجاء بآلات لكي يسقي. إذن: فأنت لا تستطيع الانقطاع للعبادة إلا إذا استفدت بحركة غيرك، وكل عمل ذكرت فيه الله هو عبادة، وكل حركة في الحياة تعينك على أداء العبادة هي عبادة. ومثال آخر: لكي تصلي لا بد أن تستر عورتك في الصلاة، إذن: فأنت تحتاج إلى قماش تأتي به من التاجر، والتاجر أتى به من مصنع النسيج، ومصنع النسيج أتى به من مصنع الغزل، ومصنع الغزل أتى بالقطن من المحلج، والمحلج جاء به من الحقل، والحقل جندت له معامل الدنيا ليعطيك أوفر محصول، ويقي القطن من الآفات. كل هذه هي من حركات الحياة التي مكنتك أن تستر عورتك في الصلاة، وكل منها عبادة. إذن: كان من الضروري أن يقول ﴿ ويطيعون الله ورسوله ﴾. بعد ﴿ ويقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة ﴾... فبعد أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة عليهم أن يطيعوا الله في الإسلام الذي بني على هذه الأركان. ثم يقول الحق: ﴿ أولئك سيرحمهم الله ﴾ وأولئك إشارة إلى كل المؤمنين والمؤمنات الذين هم أولياء بعض، والذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة، والذين يؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله، هؤلاء سيرحمهم الله. وأيهما أبلغ: أن يقال أولئك يرحمهم الله، أو يقال سيرحمهم الله؟ الأبلغ أن يقال: ﴿ سيرحمهم الله ﴾ لأن السين تهتك ستار الزمن وبذلك يحيا المؤمن دائما في رحمة الله التي لا تنقطع. ولذلك حكى الحق سبحانه وتعالى عن المؤمنين الذين يعملون الصالحات فقال: