تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهكذا نرى أنه لا يوجد إنسان يستمتع بالمواهب المكتملة. بل هو يتقن شيئا ولا يتقن أشياء، ولكن مجموع مواهب كل إنسان، تساوي مجموع مواهب كل إنسان آخر. والعدل الإلهي يتدخل هنا، فنجد - على سبيل المثال - الرجل الغني الذي يأكل خبزا من الدقيق الأبيض الفاخر، ثم يأتي عليه وقت من الأوقات لا يستطيع أن يأكل إلا الدقيق الأسود أو السن. وتجد من يسرف في الطعام لا بد أن يأتي عليه وقت ويحرمه الأطباء من الطعام لأنه أخذ منه أكثر من حقه. وتكون صحته في أن يحرم. والحق سبحانه وتعالى وضع نظاما كونيا يتساند فيه الجميع لكي يلتحم الجميع. فأنت تحتاج لي فيما أتقنه وأنا أحتاج إليك فيما تتقنه، وهكذا يتساند الناس ويتكون المجتمع السليم. ولذلك يقال: الناس بخير ما تباينوا لأنهم لو لم يختلفوا وأصبحوا أصحاب موهبة واحدة أو عمل واحد لفسد الكون، كأن نكون كلنا قضاة مثلا، فمن الذي يعالج المريض؟ ومن الذي يحفر الأرض؟ ومن الذي يحمل الطوب؟ ومن الذي ينظف الطريق؟ إننا لو تشابهنا في الموهبة أو الثراء أو العمل فلن نجد أحدا يقوم بهذه الأعمال لأننا لو كنا كلنا أطباء أو مهندسين أو صيادلة أو قضاة أو مشرعين لما استطعنا أن نعيش، بل لا بد أن نختلف لأكون أنا محتاجا لك وأنت محتاج لي. وبذلك يتماسك المجتمع، وتقضى مصالح الكون بسبب الحاجة، وليس بالتفضل بين الناس. ويصف الحق سبحانه المؤمنين بأنهم: ﴿ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ فإذا فعل مؤمن منكرا جاء أخوه المؤمن فنهاه عنه، وإذا لم يفعل معروفا جاء أخوه المؤمن وأمره بالمعروف وكل واحد منا ناه عن منكر، ومنهي عن منكر. وأنت لا يمكن أن تأمر بمعروف وأنت تفعل عكسه، أو أنت بعيد عنه، فلا يمكن أن تكون في يدك كأس من الخمر ثم تطلب من إنسان آخر يمسك كأس خمر أن يحطم الكأس التي في يده، لا يمكن إذن أن تنهى عن منكر وأنت تفعله والذي يأمر بمعروف لا بد أن يكون فاعله، والذي ينهى عن المنكر لا بد أن يكون بعيدا عنه. فكل مؤمن آمر ومأمور بالمعروف. وناه عن المنكر. ويضيف الحق وصفا للمؤمنين: ﴿ ويقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة ﴾ وإقامة الصلاة هي إعلان الولاء للخالق الأعلى، ومن له ديمومة لا نهاية لها. والمؤمنون أولياء بعض، ولكن من وليهم جميعا؟ إنه الله سبحانه وتعالى، ولا بد أن يلتحموا بمنهج الولي الأعلى الذي لا نستغني عنه جميعا. والله سبحانه وتعالى حين وصف المؤمنين أولياء بعض، قال لنا:

إن تنصروا الله ينصركم...

[محمد: 7]. إذن: فلا بد أن نتجه جميعا إلى الوالي الكبير. فهو سبحانه فوق أسبابنا، وفوق قوتنا وهو الذي ينصرنا إن عزت ولاية الأفراد المؤمنين لبعضهم البعض، فنلجأ للولي الكبير.

وما دامت الولاية لله الحق، فلا بد أن نستديم في ولائنا له سبحانه وتعالى. واستدامة الولاء لا تكون إلا بالصلاة. وساعة تسمع المؤذن يقول: " الله أكبر " تسرع إلى الصلاة. لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى - وهو ربك وصانعك ووليك - قد دعاك إلى الصلاة، فلا بد أن تجيب الدعوة. فإذا أحببت أن تزيد على الصلوات الخمس وتكون في معية الله دائما فافعل، بعد أن تكون قد أديت ما فرضه سبحانه عليك من خمس صلوات في اليوم الواحد، وحين تعرض الصنعة على صانعها خمس مرات كل يوم ففي هذا صلاح الإنسان. وأنت إن جئت بأي آلة وجعلت المهندس الذي صنعها يراها كل يوم خمس مرات فلن تعطب أبدا. كذلك الإنسان وهو صنعة الله، إذا عرض نفسه على الله خمس مرات كل يوم فإن العطب لا يدخل إلى نفسه. والصانع من البشر حين تعرض عليه الآلة فيصلحها بماديات، سواء كان باكتشاف نقص في الوصلات الكهربية أو كسر في أي شيء، فالمادة تصلح بالمادة، ولكن الله سبحانه غيب، ولذلك فهو يصلحنا بالغيب، فلا تعرف ماذا فعل بك وأنت واقف أمامه تصلي. لكنك تشعر بلا شك أن شيئا فيك قد انصلح. ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر - أي كان هذا الأمر فوق طاقته - قام إلى الصلاة لأن أسبابه لم تستطع أن تفعل شيئا فيتجه إلى المسبب، ويقف بين يديه لأنه سبحانه وتعالى هو الذي يملك الحل. ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يقول لبلال: أرحنا بها يا بلال كأن الراحة بها، أي اجعل ملكاتنا تعتدل بالصلاة. لذلك كان لا بد أن يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ويقيمون الصلوة ﴾ لأن الصلاة استدامة الولاء لله، والحق تبارك وتعالى يريدنا أن نكون موصولين به سبحانه، وهذه الصلة تتم بالصلاة فرضا خمس مرات في اليوم، وترك سبحانه الباب مفتوحا لتطوعك، فلا تترك ساعة تستطيع أن تكون فيها بين يدي الله إلا فعلت. ولكي تعرف الفرق بين سيادة الله وسيادة البشر، فإنك إذا ضعفت أسبابك أمام شيء، فإنك تطلب أن تقابل من هو أعلى منك مركزا، فهو يملك أسبابا لقضاء حاجتك، فإذا طلبت مقابلته قد يقول نعم، وقد يقول لا.. فإذا قال نعم، يسألك عم ستتكلم فيه.. فإذا قلت: إنك ستتكلم في كذا، حدد لك الساعة واليوم والمكان ومدة المقابلة. ولكن الحق سبحانه وتعالى لا يفعل هذا. أنت تذهب له في أي وقت تشاء، وفي أي مكان تشاء، وتتكلم فيما تريد، وهو سبحانه لا ينهي المقابلة أبدا، أنت الذي تنهي المقابلة مع ربك. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٢٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٢٤٧