ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون
[يونس: 62]. أي: أن الحق سبحانه وتعالى جعل أولياء لله. وكذلك يقول تبارك وتعالى:
الله ولي الذين آمنوا...
[البقرة: 257]. إذن: فالحق سبحانه وتعالى مرة يكون مواليا. ومرة يكون موالى، فإن واليت الله بطاعتك يواليك سبحانه بنصره. ويقول تعالى:
إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم
[محمد: 7]. أي: إذا تقربت إلى الله بطاعته ونصرة منهجه، فهو يقرب منك في أزماتك وينصرك ويثبت أقدامك. إذن: فالولاية في الأصل هي القرب والتناصر، وما دام هناك تناصر فلا بد أن تكون هناك نقطة ضعف في مؤمن، ونقطة قوة في مؤمن آخر، ولكن من الذي سيكون في ضعف دائما، أو في قوة دائما؟ لا أحد. إذن: فكل واحد ينصر، وكل واحد ينصر. وما دام الحق سبحانه وتعالى قد قال: ﴿ أوليآء بعض ﴾ ولم يعين البعض فكل واحد صالح لأن يكون ناصرا ومنصورا. ولكي يتضح المعنى اقرأ قول الحق سبحانه وتعالى:
وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم
[الزخرف: 31]. إذن: فقد اعترف الكفار بصدق القرآن وإعجازه ولكنهم لا يؤمنون لأن القرآن نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينزل على أحد من زعماء قريش، فيرد الله سبحانه وتعالى عليهم:
أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحيوة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا...
[الزخرف: 32]. وشاء الحق سبحانه وتعالى أن يجعل منكم السادة والعبيد، ويجعل منكم الأغنياء والفقراء، وذلك في أمور الدنيا، فإن كنتم تريدون أن تقسموا أمور الدين، فاقسموا أولا معايشكم لأن الحق سبحانه وتعالى هو الذي قسمها بينكم، وحياتكم في الدنيا تتبع قوانين الأسباب، ومن السهل عليكم أن تقسموها بدلا من أن تأتوا لتقسموا رحمة الله التي هي حق لله سبحانه وتعالى وحده. ونلاحظ في قول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ورفعنا بعضهم فوق بعض ﴾ أن البعض مرفوع والبعض الآخر مرفوع عليه، وما دامت كلمة ﴿ بعض ﴾ مبهمة، فإن كلا منا مرفوع ومرفوع عليه. ولا يوجد واحد من البشر مرفوع على الجميع، بحيث يكون وحده مجموعة متكاملة من المواهب. ولكن كلا منا متميز في ناحية وغير متميز في ناحية أخرى، حتى يكون التلاحم في الكون تلاحم ضرورة حياة وليس تفضلا ولذلك فإن الإنسان المؤمن إذا كان مرفوعا عليه في شيء فلا بد أن يسأل نفسه: في أي الأشياء أنا مرفوع فيه؟ وفي أي الأشياء الناس أحسن مني؟ ونقول له: أنت تتقن عملا معينا ولذلك أنت مرفوع فيه، ولكن في باقي الأشياء لا تعلم شيئا، فأنت مرفوع عليك. إذن: فأنا في الشيء الذي لا أجيده مرفوع علي، وفي الشيء الذي أجيده مرفوع على الناس ولذلك تجد كل واحد في كون الله مرفوعا مرة ومرفوعا عليه مرة، وهذا هو معنى: ﴿ ورفعنا بعضهم فوق بعض ﴾. ولكن الآفة أننا لا ننظر في الرفعة إلا إلى مجال واحد هذا غني وهذا فقير، ولكننا لا ننظر إلى الصحة، أو العلم، أو الأولاد، أو صلاح الزوجة أو البركة في الحياة، وزوايا كثيرة، وبعضنا إذا أخذ درجة عالية في زاوية، فإنه قد يأخذ صفرا في زاوية أخرى. ومجموع كل إنسان في نهاية الأمر يساوي مجموع أي إنسان آخر، ولا تفاضل إلا بالتقوى. فإن رأيت واحدا متفوقا عليك في شيء. فإياك أن تحسده ولكن اسأل نفسك في أي مجال أنت تتفوق عليه، وستجد هناك مجالات وزوايا أخرى تكون فيها أفضل من غيرك. إذن: فكل منا مرفوع ومرفوع عليه، ولا بد أن نفهم أن كل صاحب موهبة يفيد المجتمع بموهبته، وربما كان نفعه للمجتمع خيرا من نفعه لنفسه. انظر إلى النجار مثلا تجده يتقن عمل الأبواب والنوافذ للناس، أما لنفسه فلا يتقنها، لماذا؟ لأن الباب الذي يصنعه لنفسه هو الباب الوحيد الذي لا يتقاضى عليه أجرا. ولقد ضربنا مثلا باليد اليمنى واليد اليسرى، فعند غالبية الناس نجد أن اليد اليمنى تؤدي الأعمال بسهولة، واليسرى تزاولها ببطء وتعثر، فإذا أردت أن تقص أظافر يديك مثلا، فأنت تمسك المقص بيمينك وتقص أظافر اليد اليسرى بسهولة، ثم تمسك المقص بشمالك وتتعثر في قص أظافر اليد اليمنى.