تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده..

[النور: 39]. والسراب الذي تمشي له متخيلا أنه ماء فإنك حين تصل إليه لا تجده شيئا، هكذا الكافر يوم القيامة، يفاجأ بأن الله موجود، وجد الله سبحانه الذي لم يؤمن به، ويطلب من الله الأجر فيقال له: أجرك ممن عملت له. وما دمت لم تعمل لله فلا يوجد لك أجر في الآخرة لأن الله هو الذي يجزي في الآخرة. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ﴾ أي: أنهم أخذوا نصيبهم من الدنيا، ولكن الآخرة ليس لهم فيها نصيب لأن النصيب في الآخرة يأتي ب " افعل " و " لا تفعل " في التكليف، فإذا فعلت الاثنين ترتقي، بدليل أن حضارة المسلمين استمرت ألف سنة حين أخذوا بالأسباب، ولم ينسوا المسبب.. بل حرسوا الأسباب بقيم المسبب في " افعل " و " لا تفعل " فملكوا الدنيا ألف سنة. ولا توجد حضارة مكثت مثل هذه المدة، ولئن زالت الحضارة من أمم الإسلام سياسيا، فقد بقي دينهم في نفوسهم، ولا توجد حضارة عاشت مبادئها بعد زوال الحضارة إلا الإسلام. فقد بقي منارة هادية، رغم ضعف المسلمين سياسيا. وقول الحق سبحانه: ﴿ فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ﴾ أي: خذوا نصيبكم من الدنيا بالأسباب، ولكن تذكروا أنه استمتاع موقوت بزمن لا يملكه الإنسان لأن عمر الفرد في الدنيا هو بعمر حياته فيها لا بعمر الدنيا نفسها لأن الدنيا لك ولمن يأتي من بعدك. وعمرك فيها له حدود لا تعرف طوله. هل هو شهر أم سنة أم عشر سنين أم مائة عام؟ إذن: عمرك في الدنيا مظنون موقوت، فعملك لأسباب الدنيا محدودة المدة، بمقدار عمرك في الدنيا. وهب أن عمرك طال وصرت من المعمرين فسوف ينتهي حتما.

ويقول الحق سبحانه: ﴿ كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ﴾ أي: أنتم تبعتموهم ومشيتم على أثرهم، وكلما فعلوا إثما فعلتم إثما، وهم خاضوا في الأنبياء، وأنتم خضتم أيضا في الأنبياء، فأنتم شركاء الذين ذهبوا من قبلكم في أنكم أخذتم نصيبكم وحظكم في الدنيا، ولم تدعوا للآخرة شيئا. فلكم نصيب فيما فعلوا هذه واحدة. أما الثانية: فقد بدلتم الحق بالباطل. إذن: فأنتم أخذتم المقدمات مثلهم فقادتكم إلى نفس النتائج. ﴿ أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ﴾ أي: فشلت وضاعت أعمالكم في الدنيا، كما حبطت أعمال من سبقوكم في الدنيا وكانوا قسمين: قسما وقف يحارب دعوة الخير حتى قتل ولم يأخذ شيئا، وقسما لم ينله قتل فأفلت بدنياه، ولكنه خرج منها دون أن يفعل شيئا لآخرته فلم يأخذ شيئا في الآخرة. فالذين حبطت أعمالهم في الدنيا هم الذين قتلوا وأسروا وشردوا وغنمت أموالهم بأيدي المؤمنين، فكأنهم خسروا الدنيا فلم يأخذوا من متاعها شيئا، وأيضا خسروا الآخرة، وهذا هو الخسران المبين، أي الخسران المحيط بطرفي الزمن الدنيا والآخرة. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ ألم يأتهم نبأ الذين من... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٢٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٢٤٢