لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل...
[المنافقون: 8]. كانوا يقصدون أنهم هم الأعز، أما الأذل فهم المؤمنون. ووافقهم الحق سبحانه وتعالى على ما قالوا نعم سيخرج منها الأعز الأذل. ولكنه أراد أن يبين لهم من هو العزيز ومن هو الذليل فقال:
ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين...
[المنافقون: 8]. فكأن الحق سبحانه وتعالى يؤكد لهم أن الأعز سيخرج الأذل، ولكنهم يحسبون أنفسهم هم الأعزاء فيقول لهم: ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ﴾. هذا ما يسمونه بالقول الموجب، أي: أن تتفق مع من يقول، ويقصد أن يوجه كلامه وجهة الشر فتقلب المقصود من الكلام وتوجهه وجهة الخير. وهذا مقصود به هنا أن تزيد من ذلة المخاطب، فأنت تجعله يعتقد أنك توافقه، فتنفرج أساريره ويشعر بالسعادة ثم بعد ذلك تنقض ما قاله فيصاب بالذل. تماما كما يأتي الحارس لسجين يشعر بظمأ شديد ويلح في طلب كوب ماء.
فيقول له الحارس: سأحضر لك كوب الماء. وفعلا يحضر الكوب مليئا بالماء المثلج، ويفرح السجين ويظن أنه سينال ما يريده، ولكن ما إن يقرب الحارس الكوب من فم السجين، حتى يفرغه على الأرض، فيكون تعذيبه أكبر مما لو رفض منذ البداية إحضار كوب الماء. وهكذا شاء الحق سبحانه وتعالى أن يزيد ذلة المنافقين، فوافقهم على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أذن " ثم جاء بنقيض ما كانوا يقصدونه فقال: ﴿ أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم ﴾ وما دام صلى الله عليه وسلم يؤمن بالله فهو يأخذ منهجه من الله سبحانه وتعالى، ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم. إذن: فهناك ثلاثة أدلة على خيرية رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه يؤمن بالله وينفذ منهجه. ثم يؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا. ونلاحظ أن هناك اختلافا بين قوله تعالى: ﴿ يؤمن بالله ﴾ وبين قوله عز وجل: ﴿ ويؤمن للمؤمنين ﴾. فبالنسبة للإيمان بالله جاء بالباء في قوله: ﴿ بالله ﴾ وبالنسبة للمؤمنين جاء باللام في قوله: ﴿ للمؤمنين ﴾. بعض الناس يقولون: إن هذه مترادفات لأن معنى ﴿ يؤمن بالله ﴾ أي: يصدق بوجوده. والمنافقون كفرة بالله، ﴿ ويؤمن للمؤمنين ﴾ معناها أنه صلى الله عليه وسلم يصدق المؤمنين. أما المنافقون فهو صلى الله عليه وسلم يعرف أنهم كاذبون فلا يصدقهم. ولكنه لا يفضحهم أمام المؤمنين حتى لا يقطع عليهم خط الرجعة إن كانوا ينوون الإيمان فعلا. ولو فضحهم صلى الله عليه وسلم أمام المؤمنين لضاعت هيبتهم تماما. وإن فكر أحدهم في ترك النفاق إلى الإيمان، لوجد صعوبة شديدة في ذلك لأن أحدا لن يصدقه. ولكن أراد صلى الله عليه وسلم أن يسترهم أمام المؤمنين فجعل باب الإيمان مفتوحا على مصراعيه لأنه صلى الله عليه وسلم إنما جاء رحمة للعالمين، ولذلك فهو يحرص على أن يبقى باب التوبة وباب الإيمان أمامهم مفتوحا دائما مع حفظ كرامتهم. قول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ويؤمن للمؤمنين ﴾ أي: يصدقهم، وكلمة الإيمان بالنسبة للناس جاءت في آيات كثيرة، منها قوله تعالى حين أعلن السحرة إيمانهم برب موسى وسجدوا قال لهم فرعون:
آمنتم له قبل أن ءاذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر...
[طه: 71]. ومعنى ﴿ آمنتم له ﴾ أي: صدقتموه، ولكن ما هو الفرق بين الباء واللام؟ أنت حين تقول: آمنا بالله. فأنت تعلن أنك قد آمنت بالذات بكل صفات الكمال فيها، وحين تقول: آمنت للمؤمنين فيما قالوه، أي صدقتهم لأنهم مؤمنون. ومادة " آمن " تدور كلها حول الأمن والطمأنينة، ولكنها تأتي مرة لازمة ومرة متعدية. مثلما تقول: " آمنت الطريق " أي: اطمأننت إلى أنه لن يصيبني فيه شر. ومنها قول يعقوب عليه السلام لبنيه:
قال هل آمنكم عليه إلا كمآ أمنتكم على أخيه من قبل...
[يوسف: 64]. أي: أن السابقة هنا أنه آمنهم على يوسف فلم يرعوا الأمانة، فصار لا يأمنهم على أخي يوسف، وهذه آمن اللازمة. أما المتعدية فهي التي يتعدد فيها الأمن، مثل قوله تعالى: