تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصر والأفئدة لعلكم تشكرون

[النحل: 78]. والشكر لا يكون إلا على النعمة، فكأن وسائل الإدراك هذه مما تسمعه أو تراه ببصرك، أو تدركه بفؤادك هي من نعم الله التي يجب أن نشكره عليها لأنها أعطتنا العلم الحسي بعد أن كنا لا نعلم شيئا. وإذا أطلق على الإنسان اسم جارحة من جوارحه، فاعلم أن هذه الجارحة هي العمدة فيه، فكأن قول المنافقين وصفا للرسول ﴿ هو أذن ﴾ هو سب للرسول، وكان الواحد منهم يقول: احذروا أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكشف نفاقهم ويؤذيكم لأن محمدا عليه الصلاة والسلام في رأيهم يصدق كل شيء. أرادوا أن يتهموه صلى الله عليه وسلم أنه لا يمحص القول الذي ينقل إليه ويصدق كل ما يقال له، كما نقول نحن في العامية " فلان ودني " أي: يعطي أذنه لكل ما يقال له.

فيرد عليهم الله: ﴿ قل أذن خير لكم ﴾ لأنه صلى الله عليه وسلم يستمع لمنهج السماء ويبلغه للبشر ليهدي أهل الأرض، إذن: فهو خير للناس كلهم. وحتى إذا أخذنا كلامهم في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصدقهم إن كذبوا عليه، فهذا خير لهم لأنه صلى الله عليه وسلم لا يؤذيهم، وهو صلى الله عليه وسلم ﴿ أذن خير ﴾ لأنه لا يسمع إلا من الله بالوحي. ولذلك قلنا: إن الحكمة من أمية رسول الله عليه الصلاة والسلام، أنه لم يستمع من مساو له، وإنما كان علمه من الله. فإذا كانت الأمية فينا نحن نقيصة فإنها الكمال كله في حق رسول الله عليه الصلاة والسلام لأنه لم يأخذ إلا من خالقه، وهو أذن خير لأنه الأذن التي استمعت إلى آخر إرسال ينزل من السماء لهداية الأرض. فإذا كان المنافقون قد قالوا: ﴿ هو أذن ﴾ فقد قال سبحانه: ﴿ قل أذن خير لكم ﴾ ، وهو خير يعود نفعه على البشرية كلها، ولكن ليس بالمعنى الذي تعيبونه عليه، فهو قد يسمع إساءاتكم، ثم يسمع اعتذاركم فلا يؤذيكم ويعفو عنكم. وما دام هذا هو سلوك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلماذا تؤذونه وترهقونه؟ وفي اللغة ما يسمونه " القول بالموجب " ، فإن قال لك واحد شيئا تصدقه وتقول له: نعم، ولكن قد تأخذها على محمل آخر، فإن كان هناك إنسان يكثر الزيارة لإنسان ويقول له: أنا أثقلت عليك، ويرد عليه: أنت أثقلت كاهلي بأياديك، أي أن أفضالك علي كثيرة. وإن قال لك واحد: " أنا طولت عليك " ، يرد عليه صديقه: لا، أنت تطولت علي، أي: أعطيتني نعمة بأنك أسعدتني بمجلسك. إذن: فهو قد وافقه على ما قال، ولكنه رد عليه بعكس ما قال. وهم قد عابوا على الرسول أنه أذن، فكأن أذنه تتحكم في كل تصرفاته، وإن سمع شيئا تأثر به. وإن سمع شيئا ينغصه ينقلب موقفه من النقيض إلى النقيض. وحاولوا أن يدعوا عليه أنه يصدق كل ما يسمعه ولا يحتاط تجاه من يبلغه، وقالوا: إنه صلى الله عليه وسلم ﴿ أذن ﴾ ، ورد الحق سبحانه ﴿ قل أذن خير ﴾ وبطبيعة الحال لم يكن قول الحق موافقا لما قالوه لأن " أذن " عندهم غير ﴿ أذن ﴾ التي أقرها الله سبحانه وتعالى. وقد يقول بعض السطحيين: إن المنافقين قالوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ هو أذن ﴾ وهم يقصدون بذلك أنه يسمع ويصدق كل ما يقال له، وليس له حكمة التمحيص والاختيار. لكن لنلتفت إلى أن الحق قد قال: ﴿ أذن خير لكم ﴾ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسمع إلا من الله، وما يسمعه من الله أطاعه وطبقه، وما سمعه من الناس عرضه على منهج الله فإن وافق المنهج نفذه، وإن تعارض مع المنهج رفضه.

إذن: فهو أذن للخير لا يسمع إلا من الله، ولا يأتي من رسالته إلا الخير لمن اتبعه. ولكن لماذا لم يقل الحق سبحانه وتعالى: أذن خير للمؤمنين، وقال: ﴿ أذن خير لكم ﴾؟ لأن خيرية رسول الله قد شملت الجميع، وتعدت المؤمنين إلى المنافقين وإلى الكفار. فكان رسول الله صلى الله عليه لا يفضح منافقا، إلا إذا فضح الله المنافق بقرآن نزل من السماء. وعلى سبيل المثال: كان المنافقون يأتون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ويعتذرون عن الجهاد في سبيل الله ويطلبون الإذن بالقعود. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم الإذن. وحين كان المنافقون يأتون إلى الرسول الكريم ويحلفون له كذبا، كان يصدقهم، أو على الأرجح لا يفضح كذبهم أمام الناس. إذن: فالخيرية فيه عليه الصلاة والسلام شملت المنافقين لأن خلقه الكريم أبى أن يفضحهم أمام الناس. أما الكفار فد شملتهم الخيرية أيضا لأن دعوته لهم إلى الإسلام، وإصراره صلى الله عليه وسلم على هذه الدعوة، جعل عددا من الكفار يسلم ويؤمن، وأصابهم خير عميم من اهتدائهم لدين الحق. إذن: فقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ قل أذن خير لكم ﴾ أي: للبشرية كلها. وهكذا فرق الحق سبحانه وتعالى بين ما يريدونه، وما يقصده الله جل جلاله. هم قصدوا وصف الرسول أنه أذن سماعة. والله يقول: إنها أذن خير وهذا ما يسمونه في اللغة - كما قلنا -: " بالقول الموجب " ، أي: أن تتفق مع خصمك فيما قاله، إلا أنك تحول ما قاله من الشر إلى الخير. والمثال أيضا فيما يقوله الحق سبحانه وتعالى على ألسنة المنافقين حين قالوا:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٢٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٢٢٩