تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير

[الملك: 14]. وأما الحكمة فيدير بها الحق سبحانه حياة كل الناس، وكلهم عبيد لله، ولا فرق بين غني وفقير.

وشاء الحق أن يجعل التفرقة فقط في الدنيا لأن العالم لا يحتاج إلى أفراد مكررين، ولا يمكن أن تستقيم الحياة إن كنا كلنا أطباء أو كلنا مهندسين أو كلنا قضاة لذلك شاء سبحانه أن تتوزع المواهب على قدر ضروريات الحياة، فنبغ كل واحد منا في شيء أنا أتقن شيئا ولا أعرف الباقي، وغيري يتقن شيئا آخر ولا يعرف الباقي. فأكون في حاجة إلى عمل غيري، وغيري يحتاج عملي، وبذلك يصير الرباط بيننا رباط حاجة ورباط رزق، لا رباط تفضل وتطوع. إذن: فالحكمة اقتضت أن يوزع سبحانه وتعالى المواهب على الخلق بقدر ما تتطلب الخلافة في الأرض من حركات الحياة فأعطى هذا زاوية من نبوغ، وأعطى الآخر زاوية أخرى من النبوغ، ومن مجموع هذه الزوايا يتكون المجتمع، وسبق أن قلنا: إن مجموع كل إنسان يساوي مجموع الآخر، ولكن الناس لا تنظر إلا للمال، ولا يلتفتون إلى ما هو أهم من المال، كالصحة، والأخلاق، وراحة البال، وسعادة الأولاد وتوفيقهم، ثم البركة في الرزق وغير ذلك. إنك لو وضعت لكل هذه الأشياء رقما من عشرة مثلا تجد أن مجموع كل إنسان في النهاية يتساوى مع مجموع أي إنسان آخر، ولا تفاضل إلا بالتقوى. وإن رأى إنسان عاجز غيره ممن يملكون المال ولا يخرجون منه زكاة أو صدقة، فماذا يكون موقفه؟ لا بد أنه سيتمنى زوال النعمة عن هؤلاء. ولكن إن عادت نعمة القادر الغني على من لا نعمة عنده، فهذا يجعل العاجز الفقير محبا لدوام النعمة عند صاحبها لأنه إن حرم الغني القوة، حرم العاجز الفقير من آثارها ولذلك فعندما يعطي الغني للفقير، فهو يدعو له بالبركة، وحين يبارك الله في تلك النعمة سيعود على الفقير بعض منها. وإن لم يأخذ الفقير المحتاج صدقة من الغني، فقد يأخذها تلصصا بأن يتحايل عليه ليسرقه أو ينهبه، أو ربما دفعه الحقد والحسد إلى أن يقتله أو يتآمر على قتله. إذن: فالزكاة في المجتمع تدفع شرورا كثيرة عن صاحبها. وهي ضرورة من ضروريات الحياة. ولذلك رأينا القادرين في المجتمعات التي لا تؤمن بدين وهم يتطوعون لإقامة المؤسسات الاجتماعية لرعاية غير القادرين لدقع شرور العاجزين عن مجتمعاتهم لذلك تجد في معظم دول العالم من يحاول تخصيص جزء من المال لكفالة العجزة والمتعطلين ليعيشوا حياة الكفاف، وبذلك يأمن المجتمع شرورهم. على أن قول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ إنما الصدقت للفقرآء والمسكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل ﴾ معناه: أن الصدقات قد فرضت لهؤلاء، والذي فرضها هوالحق سبحانه بقوله: ﴿ فريضة من الله ﴾. وقد تفرض الصدقات من البشر كضريبة اجتماعية، أو غير ذلك، لدفع الشرور عن المجتمع، ولكن هذا لا يحدث إلا بعد أن تقع أحداث جسام يشقى بها مجتمع القادرين من مجتمع العاجزين، ويخرج من يقول: لكي تأمنوا شرهم لا بد أن نعطيهم حاجاتهم حتى يستقيم الأمر.

وهكذا نجد أن تشريعات البشر لا تأتي إلا بعد أن يشقى المجتمع لفترة طويلة من وضع موجود، ولكن الحق سبحانه وتعالى رحمة منه بخليفته في الأرض جاء بالتشريع من أول الخلق، بل من قبل الخلق حتى يرتب للإنسان حياة سعيدة خالية من الشقاء. ولذلك شرع الدين ورتب أحكامه لينزل إلى البشر فيكون منهجا لهم يحميهم من شرور قاسية قبل أن تقع. وشاء الحق سبحانه أن يجعل " سورة براءة " فاضحة كاشفة للمنافقين لذلك كان من بين أسمائها: " السورة الحافرة " لأن المنافق ربما يستر كفره، ويفضح الله هذا الكفر بأن يحفر عليه ليخرجه - ولله المثل الأعلى - فالإنسان يحفر الأرض ليكشف المخبوء فيها، وهذه السورة ذكرت من صفات المنافقين الكثير. فقد قال الحق:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٢٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٢٢٧