ولا بد لنا أن نتذكر دائما أن الله سبحانه وتعالى هو الذي أعطانا القدرة، ولا أحد يستطيع أن يعطي القدرة للإنسان غير الله تبارك وتعالى. فالقدرة المطلقة هي لله سبحانه وتعالى، وسبحانه يمرر بعضا من أثر قدرته إلى خلقه، فنجد إنسانا يستطيع بقدراته أن يعين إنسانا آخر في حمل شيء ثقيل لا يستطيع صاحبه أن يحمله. وفرق بين أن تتبرع أنت بأثر قوتك وبين أن تهب الغير هذه القوة. فالبشر يعطي أثر القوة، ولكن الحق سبحانه وتعالى يهب القوة لمن يشاء. المال - إذن - لا ينفع بذاته، وإنما هو يحضر الشيء النافع للإنسان، فإذا احتجت إلى طعام أو شراب أو ملابس أو سيارة أو غير ذلك اشتريتها بالمال. إذن: فالمال هو وسيلة البشر للحصول على احتياجاتهم. ولذلك يعتز به الإنسان. والمثال: أن الأبناء الذين يأخذون المصروف كل شهر من الأب، تجدهم يحرصون على لقاء الأب في أول الشهر، وقد لا يلتفتون إليه باقي الأيام. أما إذا كان المصروف في كل يوم فتجد الأولاد يحرصون على لقاء أبيهم في كل يوم. والحق سبحانه وتعالى هو خالق النفس البشرية، يعلم ما في صدور الناس ولذلك يلفت القادر إلى ضرورة أن يخرج بعضا من ماله للعاجز عن الكسب. ونحن نعيش في عالم أغيار، ومن الممكن ان يصبح القادر اليوم عاجزا غدا. ولذلك نجد القادر يمتلئ بالقلق إن رأى عاجزا. وهنا يتذكر نعمة الله عليه فيسرع ليدفع بعضا من ماله إلى العاجز وهو راض، خوفا من أن يحدث له مثل ما حدث لهذا العاجز. ويقول الحق:
خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها...
[التوبة: 103]. إذن: فالصدقة تطهر الإنسان من الغفلة التي قد تصيبه، وتزكي الإنسان أيضا، وشاء سبحانه أن تكون الزكاة نموا وزيادة وإن بدت في ظاهرها على أنها نقص. فالمائة جنيه تصبح سبعة وتسعين ونصفا بعد إخراج الزكاة، وهي عكس الربا الذي قد تصبح فيه المائة مائتين، وظاهر الربا أنه زيادة، ولكنه يمحق كل خير، وظاهر الزكاة أنها نقص، ولكنها في حقيقتها نماء. والنماء أن يترقى الشيء في مراتب الكمال فينمو طهارة، وينمو تزكية، وينمو بالزيادة والبركة. والإنسان يحتاج إلى المال ليحصل على ضروريات الحياة وكمالياتها فيطمئن إلى حاضره ومستقبله. لكن لنفرض أن المال دام لك طول العمر، وأنت تعرف أن العمر مهما طال، قصير. ولا بد أن يأتي يوم تفارق فيه هذا المال بالموت. في هذه اللحظة يكون ما كنزت من المال قد صار إلى ورثتك، ولا يصحبك منه إلى آخرتك إلا ما أنفقت في سبيل الله، أي: أن ما أنفقت هو ما يبقى لك في عالم الخلود لا يفارقك ولا تفارقه.
وشاء الحق أن يضاعف لك الجزاء والثواب. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" يقول ابن آدم: مالي مالي.. وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت؟ "
إذن: فالذي يحب ماله عليه أن يصحب معه هذا المال لمدة أطول، وأن يتعدى به مجرد الوجود في الدنيا، وأن يصل به إلى دار الخلود. ومن يعشق المال - إذا أراد أن يبقيه - فلينفقه في الصدقة.
" ولنا الأسوة الحسنة في رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءته شاة كهدية، فقال للسيدة عائشة رضي الله عنها: " تصدقي بلحمها ". وكانت السيدة عائشة رضوان الله عليها تعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب لحم الكتف، فتصدقت بلحم الشاة كلها، وأبقت قطعة من لحم الكتف لرسول الله عليه الصلاة والسلام. وعندما عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، سألها: ماذا فعلت بلحم الشاة؟ قالت: تصدقت بها كلها وأبقيت كتفها. فقال: " بل قولي أبقيتها كلها إلا كتفها ".
وذلك لأن ما تصدقت به السيدة عائشة هو الباقي. وما أبقته لهما هو الذي سيفنى. وهكذا سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأشياء بحقيقة مسمياتها. فالذي يحب صحبة ماله في الدنيا والآخرة، عليه أن يقدم بعضا منه صدقة للفقير والمحتاج، ليبارك الله له في الدنيا، ويجزيه خير الثواب في الآخرة. وقد سأل رجل الإمام عليا رضي الله عنه: أريد أن أعرف: هل أنا من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة؟. قال الإمام علي كرم الله وجهه: الجواب عندك أنت، لا عندي، انظر إذا دخل عليك من يعطيك، ودخل عليك من يطلب منك، أيهما ترحب به وتقابله ببشاشة أيهما تحب؟ إن كنت تحب من يأخذ منك فأنت من أهل الآخرة، وإن كنت تحب من يعطيك فأنت من أهل الدنيا لأن من يأخذ منك يحمل حسناتك إلى الآخرة، وأما من يعطيك فيزيدك من الدنيا ولا يعطي آخرتك شيئا. ونقول للذي يحب المال: اجعل حبك للمال يبقيه لك فترة أطول من عمر الدنيا فالدنيا ليست هي المقياس، ودنياك قدر عمرك فيها. أما الآخرة فأنت خالد فيها، فتصدق ببعض مالك يكن لك خيرا في الآخرة. ويذيل الحق الآية بقوله: ﴿ والله عليم حكيم ﴾ أي: أنه سبحانه وتعالى يضع الأشياء في موضعها عن علم وحكمة مصداقا لقوله تعالى: