إما أنك في نعمة فتشكر. وإما أنك في محنة فتصبر. وعندما نتأمل الغني المستخلف في النعمة تجد أنه قد أخذ النصف الذي يخصه كشاكر، وحرم من النصف الآخر الإيماني وهو الصبر ولذلك يأتي الإسلام له بتشريع يأخذ منه بعضا من ماله الذي حصل عليه بعرقه وعمله ويعطيه لغير القادر على العمل، وبذلك يحصل على جزء من الصبر لأنه يعطي بعضا من فائدته عمله للعاجز عن العمل، ويكون الفقير قد أخذ نصف الشكر ونصف الصبر. فقد صبر على فقره، وجاء له المال بلا تعب فشكر الله على نعمته. وهكذا نجد أن الاثنين إذا طبقا منهج الله أخذا نصف الصبر ونصف الشكر. وعلى العاجز عن الكسب ألا يغضب لأن الله سبحانه وتعالى يعطيه الرزق بلا تعب. بل إنك قد تجد الغني وهو يبحث عن مصارف الزكاة ويسأل عن الفقراء ليعطيهم. وكثيرا ما نرى إنسانا عزيزا في أزمة، ونجد من أصدقائه من يقترض ليعطيه. والله سبحانه وتعالى قال:
من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون
[البقرة: 245]. ومع أن المال مال الله فقد احترم سبحانه عمل الإنسان الذي يأتيه بالمال، وطلب منه أن يعطي بعضا منه أخاه المحتاج ابتغاء مرضاة الله، واعتبر سبحانه وتعالى هذا العمل إقراضا له جل جلاله، وكأن الذي يعطي المال للمحتاج يقرض الله، ولله المثل الأعلى كالأب الذي يعطي مصروفا لأولاده، فيضعه كل منهم في حصالته، ثم تأتي للأب أزمة مالية، فيستأذن أولاده حتى يأخذ ما في حصالاتهم، رغم أن مال الأولاد هو من مال الأب، ورغم ذلك نجد الأب قد احترم ما وهبه من المال لأولاده فاعتبره مالهم. كذلك الحق سبحانه وتعالى احترم عمل الإنسان، فاعتبر المال ماله، وطلب منه أن يقرضه. وفي هذا ميزة للغني والفقير، فالغني يأخذ ميزة وشرف أنه أعطى لله، والفقير أخذ ميزة لأن الله سبحانه وتعالى اقترض من أجله. وجعل الله الزكاة من أركان الإسلام، وجعل هذا الركن لمصلحة الفقير. فالغني ليس له ركن في إيمان الفقير، ولكن الفقير له ركن من إيمان الغني. والغني حين يعطي جزءا من ماله فهو يستغني عن هذا الجزء. وهناك فرق بين أن تستغني عن الشيء وتستغني بالشيء. والحق سبحانه وتعالى مستغن عن الكون وما فيه، فكأنه أعطى الغني صفة من صفات الحق لأن الله مستغن عن مال الدنيا كله، والمال ليس سلعة مفيدة فائدة مباشرة للإنسان. والمثال الذي أقوله دائما، يوضح ذلك: لنفرض أن رجلا عنده جبل من ذهب وتاه في صحراء لا يجد فيها لقمة خبز أو شربة ماء، فما هي فائدة جبل الذهب هذا؟ إنه لا يساوي شيئا.
إذن: فالمال ليس غاية في حد ذاته، ولكنه وسيلة. وعندما يمنع الغني ماله عن الفقير يكون قد جعل المال غاية فلا ينفعه. أما إذا أعطى الغني بعضا من المال للفقير فهو قد أعاد إلى المال وظيفته في أنه وسيلة من وسائل الحياة. وأنت تشتري بالمال ما تعتقد أنه ينفعك فعليك أن توظفه في أكمل ما ينفعك وهو رضا الله سبحانه وتعالى وثوابه. واحترم الحق سبحانه حركة الحياة في العمل حتى يعمل كل إنسان على قدر طاقته، وليس على قدر حاجته لأن الإنسان إذا عمل على قدر حاجته فقط لما وجد فائض من مال للزكاة. ولذلك سمى الحق سبحانه وتعالى المال الذي يكسبه الإنسان في الدنيا مال الإنسان، حتى يعمل كل منا على قدر طاقته لأن المال ماله. وعندما يزيد ما عندك من مال على حاجتك فأنت لا تحب أن يفارقك المال الزائد، وفي الوقت نفسه تحرص على أن تنفقه فيما ينفعك، فيرشدك الحق إلى إنفاق بعض المال في خير ما ينفعك، وهو أن تعمل لآخرتك. إذن: فأنت محتاج إلى التصدق ببعض من المال الزائد لتحسن آخرتك. والفقير محتاج إلى بعض من المال الزائد عن حاجتك ليعيش. فكلاكما يحتاج الآخر، ولكن الله سبحانه وتعالى احترم عمل الإنسان، فجعل له النصيب الأكبر مما يكسب، وللفقير نصيب أقل. وعلى سبيل المثال: إن عثر الإنسان على كنز فزكاته عشرون في المائة، وإذا زرع الإنسان وروى وحصد فزكاته هي عشرة في المائة، أما إذا كان رزق الإنسان من عمل يومي كالتجارة، فالزكاة هي اثنان ونصف في المائة ذلك أنه كلما كثرت حركة الإنسان في عمله قلت الزكاة. وكلما قل عمل الإنسان فيما يكسب زادت الزكاة لأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يشجع العامل على العمل. والمجتمع هو المستفيد بالعمل وإن لم يقصد صاحبه ذلك. فالذي يبني عمارة - مثلا - إنما يفتح باب العمل لمن يحضر الرمال، ولمن يحضر الطوب والأسمنت والحديد، وهو يدفع لوسائل نقل هذه المواد إلى موقع البناء، ويدفع أجورا لمن قاموا بصناعة وتركيب الأدوات الصحية، والكهرباء، وغير ذلك وقد لا يستفيد صاحب العمارة منها لانتهاء أجله. إذن: فالمجتمع كله يستفيد من بناء العمارة، حتى ولو لم يكن في بال صاحبها أن يفيد المجتمع، ويعتقد بعض الناس أن العمل وحده هو الذي يأتي بالمال، وينسون أن الله هو الذي ييسره لهم، ويمكنهم منه. ويلفتنا سبحانه إلى ذلك حين تأتي آفات تتلف الزرع وتضيع تعب من قاموا بالحرث والبذر والسقي لعلنا نلتفت إلى أن كل شيء يتم بإرادة الله، وليس بالأسباب وحدها. وسبحانه وتعالى حين يقضي بذلك، يلفتنا أيضا لفتة أخرى فيبارك في زرع في بلد آخر أو مكان آخر، فإذا هلك محصول القمح في دولة، كانت هناك دولة أخرى يزيد فيها محصول القمح، فيشتري هؤلاء من هؤلاء، أو ترسل الدول التي جاءها محصول وفير إلى الدول التي هلك فيها الزرع كمعونة أو إغاثة، وبذلك تتعادل سبل الحياة.