تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[القصص: 72]. إذن: فالإنسان يحتاج إلى ضوء النهار للحركة والعمل، ويحتاج إلى ظلمة وسكون الليل للنوم، وإن لم ينم الإنسان ويسترح فهو لا يستطيع مواصلة العمل. وهكذا نرى الليل والنهار متكاملين وليسا متضادين. كذلك الرجل والمرأة. وقد لا يفهم بعض الناس أن الرجل والمرأة متكاملان، ويقولون: لا بد أن تساوي المرأة الرجل، ونقول: إنكم تعتقدون أن المرأة والرجل جنسان مختلفان، ولكنهما جنس واحد مخلوق من نوعين، وكل نوع له مهمة وله خاصية. وللإنسان المكون من الرجال والنساء مهمة وخصائص يشتركون فيها، ويتضح لنا ذلك عندما نقرأ قول الحق سبحانه وتعالى في سورة الليل:

والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى * وما خلق الذكر والأنثى

[الليل: 1-3]. كأن الذكر والأنثى، مثل الليل والنهار متساندان متكاملان، فلا تجعلهما أعداء بل انظر إلى التكامل بينهما، ثم يقول الحق سبحانه وتعالى:

إن سعيكم لشتى

[الليل: 4]. أي: كل له مهمة في الحياة، واقتضت حكمته سبحانه في خلق الكون أن يجعل كل شيء يخدم الإنسان الجماد يخدم الإنسان، وكذلك النبات، وكذلك الحيوان، حتى يكون الإنسان مستجيبا لمنهج الله ولعبادته. وكذلك اقتضت الحكمة أيضا أن يخلق الله سبحانه وتعالى أشياء لا تستجيب للإنسان حتى يعرف الناس أن هذا الكون ليس مذللا بقدراتهم هم، بل بقدرة الله سبحانه وتعالى لأن الحق سبحانه وتعالى يقول:

كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى

[العلق: 6-7]. فتجد مثلا الجمل بضخامته ينقاد لطفل صغير، بينما الثعبان الصغير على دقة حجمه لا يجرؤ الإنسان أن يقترب منه. وفي الوقت نفسه، فإن هذه الحكمة تقتضي أن يحس الإنسان أن قدراته وقوته موهوبة له من الله سبحانه وتعالى، وأنها ليست من ذات الإنسان.

ولذلك يخلق الله أناسا ضعافا لا يقدرون على الكسب، ليلفت أنظارنا إلى أن قوة القوى هي هبة من الله، وليست في ذاتية الإنسان، وإلا لو كانت ذاتية في الإنسان ما وجد عاجز. ولا بد أن يفهم كل قوي أن قوته هبة من الله يمكن أن تسلب منه فيصبح ضعيفا مثل من يراهم أمامه من ضعاف البشر. والضعيف غير القادر على العمل، والأعمى غير القادر على الكسب، والكسيح غير القادر على السير، كل هؤلاء موجودون في الكون ليلفتوا الأصحاء والأقوياء إلى أن الصحة والقوة من الله، فلا يغتر الأصحاء والأقوياء بأنفسهم ويرتكبوا المعاصي، بل عليهم أن يخافوا الله، فسبحانه الذي أعطى يستطيع أن يأخذ. كما اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن يقسم الأرزاق بيننا لتسير حركة الكون. وإلا لو أصبحنا كلنا ميسورين، فمن الذي يقوم بتنظيف الشارع؟ ومن الذي يقوم بتسليك البالوعات؟ ومن الذي يحمل الطوب والأسمنت على كتفيه للبناء؟ وإن كنا جميعا نملك المال فلن يرضى أحد أن يقوم بالأعمال البسيطة والمزعجة والمرهقة، وشاء الله أن يربط هذه الأعمال بالرزق، بحيث يقوم بها بعضنا ليحصل على قوت أولاده، وإلا لما أمسك أحد بمكنسة لتنظيف الطريق، وما عمل أحد في إصلاح المجاري لذلك قد ترى من يقومون بهذه الأعمال سعداء عندما تسد المجاري، أو يحتاج الطريق إلى نظافة لأن رزقهم يأتي من هذا العمل. ولكن أيبقى هذا الحال على ما هو عليه؟ لا لأن الأيام تتداول بين الناس، وكل واحد له عرس وله مأتم. وتأتي أيام تكون فيها هذه الأعمال اليدوية هي مصدر الرزق الوفير، وهي التي يملك أصحابها سعة الرزق، أكثر من الذين درسوا في الجامعات وأهلوا للمناصب، لكنهم أقل دخلا وأقل رزقا. وهكذا نعلم أن الكون يحتاج إلى المواهب المتعددة التي تتكامل فيه، فأنت إذا أردت أن تبني بيتا تحتاج إلى مهندس ومقاول ونجار وحداد وبناء إلى غير ذلك، ولا يمكن لإنسان أن يملك هذه المواهب كلها في وقت واحد. فلا بد أن تتكامل وأن يرتبط هذا التكامل بالرزق ولقمة العيش. بل وتجد أن الإنسان قد يتخصص في عمل ويتقنه بينما يحتاج هو لبعض من وقته ليقوم بمثل هذا العمل لبيته فلا يجد، ولذلك يقال: " باب النجار مخلع " لأن الأبواب الأخرى التي يصنعها مرتبطة برزقه وهو يحاول أن يحسن صناعتها، أما بابه هو فلا رزق له فيه، ولذلك قد يكسل عن صيانته. ولا بد أن يعرف الإنسان أنه ليس أصيلا في الكون، بل مستخلف فيه لأن الفساد ينشأ دائما حين يعتبر الإنسان نفسه أصيلا في الكون. وإياك أن تفهم أن المعطى مفضل على الآخذ، أو أن الآخذ مفضل على المعطي، بل هما متعادلان، فالإيمان نصفان: نصف شكر ونصف صبر.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٢٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٢٢٤