تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ وفي سبيل الله ﴾ أيضا كل ما يتعلق بمصارف البر مثل: بناء المساجد والمدارس والمستشفيات. ثم يقول سبحانه موضحا لمصرف جديد من مصارف الصدقة والزكاة: ﴿ وابن السبيل ﴾ ، ونحن نعلم أن كل إنسان ينسب إلى بلده. فهذا دمنهوري وهذا طنطاوي، إلى آخره حسب البلد الذي هو منه. ولكن لنفرض أن إنسانا مشى في الطريق في غير بلده فإلى من تنسبه وأنت لا تعرف بلده؟ تنسبه إلى الطريق فيصبح: ابن السبيل لأن السبيل هو الطريق. وهذا الإنسان الغريب عن بلده لا بد أن تعينه حتى يصل إلى بلده، وإن وجد الإنسان من يعينه في هذه الحالة، فسوف يشجع ذلك سفر الشباب إلى الدول الأخرى لطلب الرزق، وأيضا هناك من يسافر ليزداد خبرة أو يسافر للسياحة، وهناك من يسافر للتجارة، وقد يكون غنيا ولكنه قد يفقد ماله في الطريق. ويريد الحق سبحانه أن يكفل عباده وهم غرباء من أي مفاجأة قد تجعلهم في عسر، فالذين سافروا سياحة مثلا ثم أصيبوا بكارثة أوجب الحق مساعدتهم، والذين سافروا طلبا للرزق ولم يوفقوا أوجب الله سبحانه وتعالى مساعدتهم لأن الحق سبحانه وتعالى يريد من عباده أن يسيروا في الأرض ليروا آياته، وليبتغوا الرزق، إذن: فابن السبيل هو كل غريب صادفته ظروف صعبة، ولا يجد ما يعود به إلى بلده. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ فريضة من الله ﴾ أي: أن كل من حدد الله سبحانه وتعالى استحقاقه للصدقة إنما يستحقها بفرض من الله، فالصدقة فريضة للفقراء، فريضة للمساكين، فريضة للعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل. وينهي الحق سبحانه الآية بقوله: ﴿ والله عليم حكيم ﴾ ، والله هو واجب الوجود وخالقه، خلق الإنسان وكرمه فجعله خليفة في الأرض. وقبل أن يخلق سبحانه الإنسان أعد له الكون الذي يعيش فيه الأرض والشمس والقمر والسماء والكواكب والنجوم. ثم جاء الإنسان إلى الكون ليجد كل شيء قد أعد لخدمته خاضعا له، فلا يوجد جنس من الأجناس يتأبى عن خدمة الإنسان، فلا الأرض إذا زرعت رفضت إنبات الزرع، ولا الحيوان الذي سخره الله جل جلاله لخدمة الإنسان يتأبى عليه فالحمار تحمله السباخ والقاذورات فلا يرفض، وتنظفه وتجعله مطية تنقلك من مكان إلى آخر فلا يتأبى عليك. وما دام سبحانه الذي خلق، فهو أدرى بمن خلق، وبما يصلحه وما يفسده - ولله المثل الأعلى - نحن نعرف أن المهندس الذي يصمم آلة إنما يضع لها قانون صيانتها. فما بالنا بخالق الإنسان المتعدد المشاعر والأطوار؟ إن خلق الإنسان لا يقتضي علما فقط، ولكنه يقتضي أيضا حكمة لأنك قد تعلم، ولكنك لا تستخدم العلم فيما تفعل، كأن تعلم قانون صيانة آلة معينة ثم لا تطبقه وتحاول أن تأتي بقانون من عندك لذلك فلا بد مع العلم من حكمة لتضع الشيء في موضعه السليم.

ولذلك قال الحق سبحانه: ﴿ والله عليم حكيم ﴾. ونحن نعلم أن الصدقات تقتضي متصدقا وهو المعطي، ومتصدقا عليه وهو مستحق الصدقة أو بالذي يأخذها، ومتصدقا به وهو الشيء الذي تتصدق به، إذن فهناك ثلاثة عناصر: المتصدق، والمتصدق عليه، والمتصدق به. قد يتساءل بعض الناس: لماذا خلق الله الإنسان الخليفة في الأرض وجعل بعضهم قادرا وبعضهم عاجزا، وهذا يعطي وهذا يأخذ، ولماذا لم يجعل الكل قادرين؟ نقول: إن مفارقات التقابل في الأشياء تجعلها تتكامل، فهناك ليل وهناك نهار، فهل الليل ضد النهار؟ لا لأن الليل مكمل للنهار، والنهار مكمل لليل. ولو لم يخلقا معا متكاملين لاختل التوازن في الكون. والحق سبحانه وتعالى يقول:

قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضيآء أفلا تسمعون * قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٢٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٢٢٣