تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجعل من مصارف الزكاة عتق العبيد. وقد نزل القرآن وقت أن كانت منابع الرق متعددة. وكان من المعتاد في تلك الأيام أن المدين الذي يعجز عن سداد ما عليه من دين، فالدائن يأخذه أو يأخذ أحد أبنائه كعبد له. وإذا فعلت جناية، فالجاني يأخذ العفو من المجني عليه مقابل أن يعطيه أحد أولاده عبدا. وإذا سرق شيء فإن السارق لا يعاقب، بل يعطي أحد أولاده عبدا للمسروق منه. وكان الأقوياء يستعبدون الضعفاء فيخطفون نساءهم وأولادهم بالقوة ويبيعونهم في سوق الرقيق، وهكذا كانت منابع الرق في العالم متعددة، ولا يوجد إلا مصرف واحد هو إرادة السيد إن شاء حرر وإن شاء لم يحرر. وقد كان الرق موجودا في أوروبا وفي آسيا وفي أفريقيا ووجد أيضا في أمريكا. إذن: كانت هناك منابع متعددة للرق ومصرف واحد هو إرادة السيد، وقد كان الرق يتزايد، وجاء الإسلام والعالم غارق في الرق، لماذا؟ لأن الرق في ذلك الوقت كان يشبه حوضا تصب فيه صنابير متعددة، وليس له إلا بالوعة واحدة. ولم يعالج الإسلام المسألة طفرة واحدة، شأن معظم تشريعات الله، ولكنه عالجها على مراحل، تماما كتحريم الخمر حين بدأ التحريم بالمنع عند الصلاة، فقال الحق سبحانه وتعالى:

لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى حتى تعلموا ما تقولون...

[النساء: 43]. ثم حرمها تحريما قاطعا. وحين جاء الإسلام ليعالج قضية الرق ويحرر الإنسان من العبودية، بدأ بإغلاق مصادر الرق. وجعل المصدر الوحيد هو الحرب الإيمانية المشروعة من ولي الأمر. أما كل الوسائل والألوان الأخرى من أبواب الرق، كأن يتم استعباد أحد كعقوبة جنائية أو لعجزه عن تسديد دين أو غير ذلك، فقد أغلقها الإسلام بالتحريم. أما ناحية المصرف فلم يجعله مصرفا واحدا هو إرادة السيد، بل جعله مصارف متعددة فالذي يرتكب ذنبا يعرف أن الله لن يغفر له إلا إذا أعتق رقبة، ومن حلف يمينا ويريد أن يتحلل منها يعتق رقبة. فإذا لم يفعل هذا كله وأراد أن يحسن إحسانا يزيد من أجره عند الله أعتق رقبة. وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:

فلا اقتحم العقبة * ومآ أدراك ما العقبة * فك رقبة

[البلد: 11-13]. وهكذا جعل الإسلام مصارف كثيرة لتصفية الرق حتى ينتهي في سنوات قليلة، ثم وضع بعد ذلك ما ينهي الرق فعلا، وإن لم ينهه شكلا. فإذا كان عند أي سيد لون من الإصرار على أن يستبقي عبده، فلا بد أن يلبسه مما يلبس، ويطعمه مما يطعم، فإن كلفه بعينه. وهكذا أصبح الفارق متلاشيا بين السيد وعبده. وحين ألغت بعض الدول الإسلامية الرق بالقانون، ذهب الرقيق إلى أسيادهم وقالوا: دعونا نعش معكم كما كنا. وهم قد فعلوا ذلك لأن حياتهم مع أسيادهم كانت طيبة. وهكذا ألغى الإسلام فوارق الرق كلها، وأصبحت مسألة شكلية لا تساوي شيئا.

ولكن بعض الناس يتساءل: وماذا عن قول الحق سبحانه وتعالى:

وما ملكت أيمانكم...

[النساء: 36]. نقول: افهم عن الله، فهذا الأمر لا يسري إلا إذا كانت المرأة المملوكة مشتركة في الحرب، أي: كانت تحارب مع الرجل ثم وقعت في الأسر، والذي يسري على الرجل في الأسر يسري عليها، ثم من أي مصدر ستعيش وهي في بلد عدوة لها إن تركها في المجتمع فيه خطورة على المجتمع وعليها. كما أن لهذه المرأة عاطفة سوف تكبت، فأوصى الإسلام السيد بأنه إذا أحب هذه الأمة فلها أن تستمتع كما تستمتع زوجة السيد، وإن أنجبت أصبحت زوجة حرة وأولادها أحرارا، وفي هذا تصفية للرق. ويقول الحق سبحانه وتعالى عن لون آخر من مستحقي الزكاة: ﴿ والغارمين ﴾ والغارم: هو من استدان في غير معصية، ثم عجز عن الوفاء بدينه. ولم يمهله صاحب الدين كما أمر الله في قوله تعالى:

فنظرة إلى ميسرة...

[البقرة: 280]. ولم يسامحه ولم يتنازل عن دينه، وفي هذه الحالة يقوم بيت المال بسداد هذا الدين. لكن لماذا هذا التشريع؟ لقد شاء الحق إعطاء الغارم الذي لا يجد ما يسد به دينه حتى لا يجعل الناس ينقلبون عن الكرم وعن إقراض الذي يمر بعسر، وبذلك يبقى اليسر في المجتمع، وتبقى نجدة الناس للناس في ساعة العسرة، فلا يمتنع أحد عن إعطاء إنسان في عسرة لأنه يعلم أنه إن لم يدفع فسيقوم بيت المال بالسداد من الزكاة. أو: أن الغارم هو الذي أراد أن يصلح بين طرفين، كأن يكون هناك شخصان مختلفان على مبلغ من المال، فيقوم هو بفض الخلاف ودفع المبلغ، ثم تسوء حالته لأنه غرم هذا المال بنخوة إيمانية، فنقول له: خذ من بيت المال حتى يشيع في النفوس تصفية الخلافات وإشاعة الحب بين الناس. إذن: فالغارم هو المستدين في غير معصية ولا يقدر على سداد الدين، أو المتحمل لتكلفة إصلاح ذات البين بين طرفين، وهو مستحق لهذا اللون من المال. ويقول الحق سبحانه: ﴿ وفي سبيل الله ﴾. يقول جمهور الفقهاء: إنها تنطبق على الجهاد لأن الذي يضحي بماله مجاهدا في سبيل الله، لو لم يعلم أن الجهاد باب يدخله الجنة لما ضحى بماله، وعندما تضحي بالمال أو النفس في سبيل الله يكون هذا من يقين الإيمان. فلو لم تكن على ثقة أنك إذا استشهدت دخلت الجنة ما حاربت. ولو لم تكن على ثقة بأنك إذا أنفقت المال جهادا في سبيل الله دخلت الجنة ما أنفقت. والإسلام يهدف إلى أمرين: دين يبلغ ومنهج يحقق، والمجاهد في سبيل الله أسوة لغيره من المؤمنين. والأسوة في الإسلام هي التي تقويه وتثبته في النفوس لأنها الإعلام الحقيقي بأن ما تعطيه من نفسك أو مالك لله ستجازى عنه بأضعاف أضعاف ما أعطيت.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٢٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٢٢٢