" عبدي فلان مرض فلم تعدني. فيقول له: يا رب وكيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول له: أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده "
قولوا لي بالله: أيضيق أي مريض عندما يعرف أن الصحة كانت نعمة من الله وفارقته، ولكن المرض جعله مع المنعم، وهو الله سبحانه وتعالى؟ لا، بل إن ذلك يخفف عنه وطأة المرض، ويجعله يشعر أن الأنس بالله يخفف عنه الآلام. لكنك للأسف تجد الإنسان غير منطقي مع نفسه، فالعالم خلق من أجل الإنسان. والإنسان خلق ليعبد الله. ولكنك تجده لا يلتفت لما خلق من أجله، بل يلتفت للأشياء التي خلقت له. وقد كان من المنطقي أن ينشغل بما خلق من أجله. وإذا أخذنا مثلا منطق الإنسان مع الزمن، نجد أن الزمن إما أن يكون حاضرا أو ماضيا أو مستقبلا. فإذا أردنا أن نذهب إلى ما لا نهاية نقول: إن الزمن حاضر وأزلي وأبدي.
والأزلي: هو القديم بلا بداية. والأبد: هو المستقبل بلا نهاية. والحاضر: هو ما نعيش فيه. والوجود الذي تراه أمامك خلقه الحق سبحانه واجب الوجود وبكلمة " كن " جاء كل " ممكن الوجود " لأن كل وجود يحتاج إلى موجد هو وجود ممكن، وسيأتي له عدم. أما الوجود غير المحتاج إلى موجد فهو وجود لا ينتهي. أي: أن واجب الوجود هو وجود الله وحده سبحانه وتعالى. ولذلك فهو وجود أزلي قديم بلا نهاية، وأبد باق بلا نهاية. وبذلك فهو يخرج عن الزمن. نأتي بعد ذلك إلى المخلوقات الممكنة، أي التي لها موجد، وهي كل ما في الكون ما عدا الله سبحانه وتعالى، ومنها هذه الدنيا التي يعبدها بعض الناس من دون الله، هذه الدنيا ليس لها أزل ولا أبد، فالدنيا لم توجد إلا عندما خلق الله السماوات والأرض، أي ليس لها وجود بلا نهاية. ولكن كان وجودها ببداية. إذن فهي ليست أزلا، وهي ليست أبدا لأنها تنتهي بيوم القيامة. ولذلك لا يجتمع في قلب المؤمن حب الله وحب الدنيا لأن الله أزل وأبد، والدنيا لا أزل ولا أبد، بل عمر الدنيا بالنسبة للإنسان هي بمقدار عمره فيها. وقبل ميلاده لا علاقة له بها، وبعد الموت لا علاقة له بها. وحتى إذا أخذنا الدنيا في عمومها فإن لها بداية ونهاية، فكيف يمكن أن يجتمع في قلب المؤمن حب من لا بداية له ولا نهاية، وحب من له بداية ونهاية؟ لا يجتمعان. ولذلك قال شيخنا الزمخشري رضي الله عنه: ما دام هذا الكون فيه وجود، يكون الوجود: إما واجبا، وإما ممكنا. والوجود الواجب لله وحده. والوجود الممكن هو كل ما عدا الله، ولا يوجد أزل ولا أبد إلا للحق سبحانه وتعالى. فإذا قلنا: إن هناك وجودا فيه أزل وليس فيه أبد، نقول: إن هذا ممتنع عقلا لأن الذي لا تكون له بداية لا تكون له نهاية. أي: يكون دائم الوجود. إذن: فيبقى أن يكون الوجود له أبد وليس له أزل، أي: له بداية وليس له نهاية. ونقول: إن هذا يجتمع في اثنتين الآخرة والإنسان الإنسان له بداية وهي تاريخ خلقه، وليس له نهاية لأنه بعد أن يموت يبعث مرة أخرى، إما أن يخلد في النعيم، وإما أن يعذب قليلا، ويدخل الجنة وإما يخلد - والعياذ بالله - في النار. وكذلك الآخرة لم يأت زمنها بعد. إذن فهي لم تبدأ بعد، ولكنها متى بدأت فليس لها نهاية لأن هناك حياة أبدية في الجنة أو في النار. إذن: فالإنسان والآخرة اشتركا في شيء واحد، ولا بد أن يربط الإنسان نفسه بالآخرة فالذي يأخذ الدنيا إنما أخذ شيئا له بداية ونهاية، ولكن الذي يطبق منهج الله ويعبده عن حب واختيار أخذ من لا بداية له ولا نهاية له.
والذي عمل للآخرة، عمل لما لا نهاية له أو للذي سيخلد فيه، وتكون فيه حياته الحقيقية. ولذلك حين نقرأ قول الحق سبحانه وتعالى:
وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون
[العنكبوت: 64]. نعرف أن الحياة الحقيقية هي في الآخرة وليست الدنيا لأن الغايات في أي شيء يجب أن تكون متساوية، فمثلا: إذا أردنا أن نصنع كرسيا. فالغرض من الكرسي أن نجلس عليه. إذن: فكل الكراسي مهما اختلفت أشكالها وألوانها لها غاية واحدة وهي أن نجلس عليها. والإنسان غايته لابد أن تكون متساوية. وما دمنا أفرادا لجنس واحد فلا بد أن تكون لنا غاية واحدة: ما هي؟ أهي الصحة؟ بعضنا مريض. أهي القدرة؟ بعضنا عاجز. أهي طول العمر؟ بعضنا عمره في الدنيا ساعات. وإذا استعرضنا كل ما في الدنيا فلا نجد شيئا نتفق فيه إلا الموت، وفيما عدا ذلك فنحن نختلف. إذن فلا بد أن نلتفت في حياتنا الدنيا من أول يوم إلى أننا سوف نموت ونلقى الله، وعلينا أن نعد العدة لذلك، وكلنا سائرون إلى هذه النهاية. والحق سبحانه وتعالى يقول في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ﴿ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا ﴾ لم يقف عز وجل عند هذا الحد، بل قال سبحانه: ﴿ وتزهق أنفسهم وهم كافرون ﴾ و ﴿ تزهق ﴾ أي تخرج بصعوبة، لماذا؟ لأن عابد الدنيا عمل من أجلها فقط. ولم يعمل شيئا من أجل الآخرة، فعندما يأتي له الموت، يجد أنه لم يقدم شيئا لآخرته، وأن ما ينتظره هو العذاب، ولذلك يكره أن يترك نعيم الدنيا إلى عذاب الآخرة. أما صاحب الأعمال الطيبة عندما يأتي له الموت فهو يستبشر لأن الذي ينتظره خير يفوق كل الذي سيتركه. كمثل إنسان يعيش في كوخ صغير ثم ينتقل إلى قصر فاخر، ألا يكون سعيدا؟ وكذلك المؤمن عندما يأتيه الموت يصبح كالذي ينتقل من كوخ صغير إلى قصر فاخر. أما صاحب الدنيا فمثل الذي يؤخذ من قصر إلى نار محرقة، ولذلك فهو يكره ساعة الموت. والمؤمن يفرح حين ينتقل من الدنيا الفانية إلى الحياة الخالدة الباقية، ومن النعمة إلى المنعم، ومن الحياة بالأسباب إلى الحياة مع المسبب، فنحن في الدنيا لا بد أن نأخذ بالأسباب لنصنع ما نريد، والمثال: أنك إن أردت أن تأكل فلا بد من أن تطهو الطعام أو أن يعده لك غيرك، وإن أردت أن تلبس فلا بد لك ممن يصنع لك القماش ويحيك الثوب. ووراء كل نتيجة توجد سلسلة طويلة من الأسباب. فهناك الذي يزرع، والذي يحصد، والذي ينقل إلى المطحن أو إلى المصنع، والذي يطحن الدقيق أو ينسج القماش، أما في الآخرة فلا توجد أسباب، بل بمجرد أن يخطر الشيء على بالك تجده أمامك، أليست هذه حياة نعيم؟ إذن: فالذي تنفرج أساريره ساعة الموت هو المؤمن، والذي ينقبض وجهه ويتشنج عندما يأتيه ملك الموت هو الكافر والعاصي لأنه سينتقل من نعيم حتى ولو كان نسبيا إلى عذاب رهيب.