تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد قيل للإمام علي رضي الله عنه: يا إمام، أريد أن أعرف نفسي أأنا من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة؟ فقال الإمام علي: الله أرحم من أن يجعل جواب هذا السؤال عندي وجعل جواب السؤال عندك أنت، إن كنت تحب من يدخل عليك وهو يريد أن يأخذ منك أكثر مما تحب من يدخل عليك وهو يريد أن يعطيك هدية تكون من أهل الآخرة. أي: إذا دخل عليك إنسان يطلب صدقة أو مالا فاستقبلته بترحاب وتحية وتعطيه وأنت مسرور تكون من أهل الآخرة لأنك تعرف أنه أخذ منك في الفانية ما يحمله لك أجرا في الآخرة التي تعمل من أجلها، ولذلك تحبه. أما إن كنت تحب من جاء يعطيك هدية أكثر ممن جاء يسألك تكون من أهل الدنيا لأنه معطي الهدية يزيدك في دنياك. وما دمت تفرح بذلك أكثر من فرحك بالذي يزيد آخرتك فأنت من أهل الدنيا. ويقال: إن فلانا أحسن الله خاتمته لأنهم دخلوا عليه لحظة الموت فوجدوا وجهه أبيض وملامحه سمحة مستريحة. نقول: إن هذا صحيح، فهذه لحظة لا يكذب الإنسان فيها على نفسه. ونحن نعلم أن الإنسان حين يشتد عليه المرض فهو يتشبث بالأمل في أن ينال الشفاء على يد طبيب بارع. لكن الأمر يختلف ساعة الاحتضار حين يعلم الإنسان أن الموت يتخلله وأنه ميت لا محالة، مصداقا لقول الحق سبحانه:

فلولا إذا بلغت الحلقوم

[الواقعة: 83]. ويرى ما كان محجوبا عنه في الدنيا. حينئذ يستعرض أعماله. فإن رأى شريط الحياة حلوا منيرا، ابتسم وانفرجت أساريره فيقبض على هذا الوضع. أما من امتلأت حياته بالسوء والمعاصي فوجهه يسود وتنقبض أساريره فيقبض على هذا الوضع. وهذا ما نسميه الخاتمة، فلحظة الاحتضار فيها يقين بالموت، تماما كساعة الامتحان حيث تجد التلميذ الخائب مصفر الوجه مرتعدا ومتشنجا، أما التلميذ المجتهد فيكون مبتسما منفرج الأسارير. وفي ساعة الاحتضار يخلو الذهن من أي شيء إلا صحيفة عمله، فهي التي تبقى في بؤرة شعوره، وبؤرة الشعور هي المكان الذي إن استقر فيه شيء فإنه لا ينسى أبدا. فإذا عرف طالب قبل الامتحان بفترة قصيرة، أن هناك سؤالا سيأتي في جزء معين من الكتاب وأمسك هذا الجزء وقرأه مرة واحدة تجد أنه وهو يقرؤه لا يفكر في شيء آخر غيره، ومجرد قراءته مرة تجعله يجيب الإجابة المتميزة لأن بؤرة الشعور مثل آلة التصوير، تأخذ صورة ما ترى مرة واحدة.

إذن: فساعة الالتقاط هذه حيث لا شيء يشغل الذهن، تجد أن الشعور لا يتسع إلا لخاطر واحد، فلا يأتي خاطر إليها إلا إذا تزحزح الخاطر الأول عنها. ولذلك إذا سمعت شيئا وحفظته من أول مرة، فهذا دليل على أن بؤرة شعورك كانت خالية ومستعدة ساعة التقاط هذا الشيء. كذلك عند الموت ساعة الاحتضار لا يجد الميت في بؤرة شعوره خاطرا آخر يناقض أو يزاحم أمر الآخرة، فإن كانت حياته خيرة أشرق وجهه وانفرجت أساريره، وإن كانت حياته سيئة انقبضت أساريره واسود وجهه والعياذ بالله. وقوله تعالى: ﴿ وتزهق أنفسهم وهم كافرون ﴾ يعطينا معنيين: المعنى الأول: أن النعمة تظل معهم تلهيهم عن الله حتى تأتي ساعة الموت. والمعنى الثاني: أن ساعة الموت تكون شاقة وصعبة على الكافر والمنافق لأنه يترك الأموال والأولاد ويذهب إلى العذاب. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ويحلفون بالله إنهم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٢١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٢١٥