تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا تدخل من باب الشقة، بل تظل تدور وتخطط لتجد منفذا تدخل منه دون أن يراك أحد. وتضع خطة للسرقة. وتدخل المنزل على أطراف أصابعك وأنت ترتعد. فإذا شعرت وأنت تنفذ الخطة بصوت أقدام تنزعج وتجري لتختبئ وتأخذ الشيء وتكون حريصا على إخفائه وإن رآه أحد عندك انزعجت، وكل هذا عذاب يمر به كل من يجمع المال الحرام، إذن فجمع المال الحرام عذاب. وكل من يربي أولاده من مال حرام لا يبارك الله لهم فيهم، فإما أن ينشأ الواحد منهم عذابا لأبيه في تربيته فيرسب في الامتحانات. ويتلف المال في الإنفاق بلا وعي. فكلما أعطيته أكثر احتاج إلى المزيد من المال أكثر. ومثل هذا الابن لا يطيع أباه. ويكون العذاب الأكبر حينما ينشأ أحد أبناء هذا الإنسان ويكون الابن مؤمنا إيمانا صادقا بالله، فيرفض أن يأكل أو يلبس من مال أبيه، أو أن يناقشه من أين جاء بهذا المال ويسمع منه ما يكره، ويتمرد دائما عليه. وفي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبو عامر عدوا لله ورسوله. وكان ابنه حنظلة مؤمنا، وكلما رأى أبو عامر ابنه كان قلبه يغلي بالغيظ، وعندما نودي للقتال، وسمع حنظلة نداء الجهاد بعد أن فرغ من الاستمتاع مع زوجته فلم يصبر إلى أن يغتسل من الجنابة، بل سارع إلى الحرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم واستشهد في المعركة ولكن كيف عرف الصحابة قصة حنظلة، مع أن هذه المسألة تكون سرا بين الرجل وزوجته لا يعرفه أحد؟ لقد عرف المؤمنون بخبر حنظلة حين رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإشراقات الله أن الملائكة تنزل من السماء وتغسل حنظلة. ولما كان الشهيد لا يغسل، فقد عرف الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذا ليس غسلا من الشهادة، وإنما هو غسل حتى لا يقبل الشهيد على الله وهو جنب، رأى الرسول صلى الله عليه وسلم ما حدث لحنظلة، وعندما عاد إلى المدينة بعث إلى زوجة حنظلة وسألها: ماذا حدث ساعة ساعة خروج حنظلة إلى المعركة؟ فقالت إنه عندما سمع نداء القتال، خرج بدون غسل. وتأمل كيف نزلت الملائكة لتغسل شهيدا هو ابن عدو لله ورسوله. وكيف يكون هذا غيظا في قلب الأب. وقصة أخرى: سيدنا عبد الله بن عبد الله بن أبي والده عبد الله بن أبي كان زعيم المنافقين في المدينة، وهو الذي انسحب يوم أحد ومعه ثلث المقاتلين من المعركة. ويسمع عبد الله أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يطلبون منه الإذن بقتل والده ابن أبي، انظروا إلى الإيمان. فها هو الابن يذهب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويقول له: يا رسول الله إن كنت آمرا بقتل أبي فأمرني أنا بقتله حتى لا ألقى قاتله من المسلمين وفي قلبي غل عليه.

وعندما يسمع الأب أن ابنه يطلب أن يكون هو قاتله، أليس هذا عذابا في قلبه؟ وهكذا نرى أن الأموال والأولاد الذين كان من المفروض أن يكونوا نعمة يصبحون نقمة، أليس هذا عذابا في الدنيا؟ ولكن غير المؤمنين لا يلتفتون إلى واهب النعمة، ولا إلى الجزاء الذي ينتظرهم في الآخرة، ولا ينتبهون إلى حكمة الخلق التي تؤكد أن الإنسان خليفة الله في الأرض، وأن الله قد أعد الأرض بكل ما فيها من إمكانات ومن خيرات لتكون في خدمة هذا الخليفة، أي: أنه أقبل على عالم كامل من كل شيء معدا له إعدادا فوق قدراته وطاقاته. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في حديث قدسي:

" خلقت الأشياء من أجلك، وخلقتك من أجلي، فلا تشتغل بما هو لك عما أنت له "

أي: لا تشتغل بالنعمة عن المنعم، تماما كما يدخل الإنسان إلى وليمة كبيرة، فيجد المائدة معدة بكل ألوان الطعام، وصاحب المائدة واقف فلا يحييه ولا يسلم عيه ويذهب مباشرة إلى الطعام، فيحس الناس أن هذا الإنسان جاحد بكرم الضيافة. بينما نجد رجلا آخر يدخل فيسلم على صاحب الوليمة ويشكره على كرمه ويشيد به، الأول: انشغل بالنعمة، والثاني: لم ينسه انشغاله بالنعمة أن يشكر من أعدها له. ومثال آخر: إن الصحة هي من أثمن النعم. أما المرض فإنه أقسى ما يمكن أن يصاب به الإنسان لأن الصحة هي التي تجعل الإنسان يتمتع بنعم الحياة، أما المرض فيحرمه هذه النعمة. ولذلك فعندما يمرض الإنسان يعوضه الله بأنه بدلا من أن يكون في معية النعمة، يكون في معية المنعم وهو الله سبحانه. ولذلك يقول في حديث قدسي:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٢١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٢١٣