يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون
[آل عمران: 200]. وهذا القول هو أمر بالصبر على القتال. ولكن هب أن عدوك صبر مثلك، هنا يأتي أمر آخر من الحق سبحانه وتعالى: ﴿ وصابروا ﴾ أي: اغلبه في الصبر بأن تصبر أكثر منه. وكذلك ﴿ وجهدوا ﴾ أي: اغلبوهم في الجهاد، بأن تجاهدوا أكثر منهم. ونعود إلى قول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ وجهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ﴾ وسبيل الله هو: الطريق الموصل إلى الغاية التي هي رضا الله والجنة. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ذلكم خير لكم ﴾ ، و " ذا " اسم إشارة ويشير إلى المفرد المستفاد من قوله تعالى: ﴿ وجهدوا بأموالكم وأنفسكم ﴾ إذن: ف " ذا " تشير إلى الجهاد بالمال والنفس، و ﴿ لكم ﴾ تشير للخطاب لأن الحق سبحانه وتعالى يخاطب جماعة. وبعض من لا يفهم اللغة يقول: ﴿ ذلكم ﴾ كلمة واحدة خطابا أو إشارة، ونقول لهم: لا، بل هي كلمتان إشارة وخطاب. والإشارة هنا لشيء واحد، والخطاب لجماعة. ومثال هذا أيضا قول الحق سبحانه على لسان امرأة العزيز في قصة يوسف عندما جمعت امرأة العزيز النسوة، وأخرجت يوسف عليهن، وصارت هناك جماعة من النسوة، وهناك يوسف - أيضا -:
فذلكن الذي لمتنني فيه
[يوسف: 32]. و " ذا " المقصود بها يوسف، و " لكن " هن: النسوة المخاطبات. ومثال آخر أيضا هو قول الحق سبحانه:
فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه
[القصص: 32]. و " ذان " إشارة لاثنين، وهما معجزتان من معجزات موسى عليه السلام العصا واليد البيضاء، وحرف الكاف للمخاطب وهو موسى عليه السلام. إذن: فقول الحق: ﴿ ذلكم ﴾ في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها مكون من كلمتين: الإشارة لواحد والخطاب لجماعة. وقوله تعالى: ﴿ ذلكم خير ﴾.. عن أي خير يتحدث سبحانه؟ إن نفرتم وجاهدتم بأموالكم وأنفسكم فهو خير، ولا بد أن يكون خيرا من مقابل له. والمقابل له هو القعود عن الجهاد بأموالكم وأنفسكم. إذن: فالجهاد خير من القعود. وكلمة ﴿ خير ﴾ تستعمل في اللغة استعمالين الاستعمال الأول أن يراد بها الخير العام، كقوله تعالى:
فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره
[الزلزلة: 7-8]. ويكون مقابلها في هذه الحالة هو الشر. ومرة تأتي " خير " بمعنى " أفعل التفضيل " ، كأن تقول: هذا خير من هذا. وفي هذه الحالة يكون كل من الأمرين خيرا، ولكن أحدهما أفضل من الآخر، مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير "
فإن جاءت " خير " دون أن تسبقها " من " فالمراد بها المقابل لها، وهو " الشر ". ونجد بعضا من أساتذة اللغة العربية يقولون: عندما تستخدم كلمة " خير " كأفعل تفضيل لا تقل: " خير " ، بل قل: " الخير " ، ولكن اللفظ المستخدم هنا هو " خير " ، فإن استعمل في أفعل التفضيل فهو يعطي الصفة الزائدة لواحد دون الثاني، والاثنان مشتركان في الخيرية.
وعلى سبيل المثال
" كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد اسمه زيد بن حارثة اشترته خديجة رضي الله عنها، وأهدته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرف أبو زيد وعمه مكانه فذهبا إلى مكة ليروه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فأنت قد علمت ورأيت محبتي لك فاخترني أو اخترهما ". فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدا، أي: أنه اختار أن يبقى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يذهب مع أهله، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكافئه فألحقه بنفسه وقال: " يا من حضر اشهدوا أن زيدا ابني يرثني وأرثه "
وكان التبني مباحا عند العرب، وأراد الحق أن يلغي التبني وأن يطبق رسول الله هذا الإلغاء بنفسه، فجاء قول الحق سبحانه وتعالى:
ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم ولكن رسول الله