تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كتب عليكم القتال وهو كره لكم

[البقرة: 216]. والدخول فيما هو مكروه في سبيل الله أمر يرفع درجات الإيمان. إذن: فالآية تحتمل أكثر من معنى، فهي تحمل المعنى العام: أن يكون البعض خفيفا والبعض ثقيلا في ذاته، أو: أن يجمع القتال بين الخفة في الحركة والثقل في المشقة، أو: أن يكون الذي يملك دابة هو الخفيف لأن الدابة تزيل المشقة وأسرع في الطريق، والثقيل هو من يجاهد ماشيا لأنه سيتحمل طول المسافة. وساعة يشحن الحق سبحانه وتعالى قلوب المؤمنين، فهو يطلب منهم ما يكلفهم به بقوة، ثم تتجلى رحمته فيخفف التكليف. ولو جاء الحكم خفيفا في أول التشريع، ثم يصعد فإن هذا الأمر يكون صعبا على النفس، ولكن عندما يأتي الحكم ثقيلا، ثم يخفف يكون أقرب إلى النفس، والمثال في قول الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم:

يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا

[الأنفال: 65]. وهنا يعطي الحق مقياسا لقدرة المؤمن بالنسبة للكافر. فالعشرون يغلبون مائتين، أي: أن النسبة هي واحد من المؤمنين إلى عشرة من الكافرين، ولذلك فعندما نزلت هذه الآية كان على المؤمن الواحد أن يقتل عشرة من الكافرين، لكن الحق سبحانه وتعالى قد علم أن هذا الأمر شديد على نفوس المؤمنين بأن يواجه المؤمن الواحد عشرة من الكفار، فإنه لا يقدر على ذلك إلا أولو العزم، فقال سبحانه:

الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا

[الأنفال: 66].

وما دام هناك ضعف فلا بد أن يخفف الأمر بالنسبة للمؤمنين في مواجهة الكفار أثناء القتال. ونقل الحق سبحانه وتعالى النسبة من: واحد إلى عشرة، إلى: واحد إلى اثنين، فقال سبحانه وتعالى:

الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين

[الأنفال: 66]. لذلك: من فر من قتال اثنين يكون قد فر من الزحف، ولكن إن فر من مواجهة ثلاثة لا يحسب فارا لأنهم أكثر من النسبة التي قررها الله. وقول الحق في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ﴿ انفروا خفافا وثقالا ﴾ هو أمر يشمل الجميع على اختلاف أشكالهم، أي: أنها تحمل أمرا عاما لكافة المسلمين. ولكن هناك قول آخر في سورة التوبة، أعفى بعض حالات معينة من المؤمنين الذين أخلصوا قلوبهم لله، فيقول سبحانه:

ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم * ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم قلت لا أجد مآ أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون

[التوبة: 91-92]. أي: ليس على هؤلاء الذين جاءت الآيتان الكريمتان بذكرهم أي حرج في أن يقعدوا عن القتال. وكان هذا هو الاستثناء من القاعدة العامة التي فرضت على كل مؤمن أن يقاتل في سبيل الله، وهو ما جاءت به الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿ انفروا خفافا وثقالا وجهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ﴾ والمال هو الذي يجعلك تعد السلاح للحرب، وحين يذهب الجيش إلى القتال لا بد أن يكون مزودا بالسلاح، وبالمركبات وهي مثل الخيل على زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيضا لا بد من الزاد الذي يكفي لأيام القتال، لذلك جاء الله سبحانه وتعالى بذكر المال أولا، ثم بعد ذلك ذكر الأنفس والأرواح، ومن يملك القوة والمال فعليه أن يجاهد بهما، ومن يملك عنصرا من الاثنين القوة أو المال، فعليه أن يجاهد به. فإن كان ضعيفا فعليه أن يعين بماله القوي القادر على القتال بأن يوفر له الأسلحة والخيول والدروع وغير ذلك من وسائل القتال. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ وجهدوا ﴾ ، و " جاهد " و " قاتل " مبنية على المفاعلة، بمعنى: إن قاتلك واحد من الكفار، فلا بد أن تبذل كل جهدك في قتاله، و " جاهد " مثل " شارك " ، فهل تقول: شارك زيد ثم تسكت، أم تقول: شارك زيد عمرا، وقاتل زيد عمرا؟ إذن: فهناك مفاعلة. ولكن الحق سبحانه وتعالى يقول في آية أخرى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢١٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢١٩٢