[الأحزاب: 40]. وهكذا أنهى الحق سبحانه وتعالى التبني، وقال سبحانه وتعالى:
ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله
[الأحزاب: 5]. و ﴿ أقسط ﴾ يعني " أعدل " ، كأن الحق سبحانه وتعالى لم ينف عن رسوله صلى الله عليه وسلم العدل، ولكنه أنزل ما هو أعدل. إذن: فساعة ترى أفعل التفضيل فاعلم أنه يعطي الصفة الزائدة ويبقي الصفة الأصلية. وفي الآية التي نحن بصددها ﴿ ذلكم خير ﴾ ومقابلها: أن القعود عن الجهاد بالمال والنفس شر. يقول الحق سبحانه: ﴿ ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ﴾ إذن: فهناك موازين نعرف بها ما هو خير وما هو شر.. وحينما قال الحق: ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ فكأن هناك مقدمات للعلم، فإن لم يكونوا يعلمون فالله يعلمهم، ذلك أن الذي يجاهد بماله ونفسه يكون قد اقتنع بيقين أنه سوف يحصل من الجهاد على ما هو خير من المال والنفس. وأيضا: إن قتل فهو باستشهاده صار أسوة حسنة لمن يأتي بعده. وحين أوضح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من يقاتل صابرا محتسبا يدخل الجنة، جاء له صحابي في فمه تمرة يمضغها فيقول: أليس بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن أقاتل فيقتلوني؟ فلما أجاب النبي صلى الله عليه وسلم: نعم. استبطأ الصحابي أن يضيع مضغ التمرة وقتا، وأن يتأخر عن القتال بسببها، فرماها من فمه وقاتل حتى استشهد. وكان هذا دليلا على أنه واثق تمام الثقة أن الاستشهاد يعطيه جزاء أعلى بكثير مما ترك. ثم بعد ذلك يعود الحق سبحانه وتعالى إلى الذين يتثاقلون عن الجهاد ليصفي المسائل كلها، فيقول جل جلاله: ﴿ لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة... ﴾.