وما يعلم جنود ربك إلا هو..
[المدثر: 31]. إذن: فالجنود الذين سخرهم الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ليحفظوه خلال الهجرة لا يعلمهم إلا الله. وكل شيء في هذا الكون من جنود الله فهو سبحانه وتعالى الذي سخر الكافر لخدمة الإيمان، ألم يكن دليل رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرته من مكة إلى المدينة هو عبد الله بن أريقط، وكان ما زال على الكفر، فكأن الله سبحانه وتعالى يسخر له الكافر ليكون دليله في رحلته من مكة إلى المدينة. وهكذا عمل الكافر في خدمة الإيمان، وفي الوقت نفسه فكل ما رصدته قريش من جعل لمن يدلها على مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يغر الدليل الكافر بالخيانة، بل أدخل الله على قلب الكافر ما يجعله أمينا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. الحق سبحانه يقول: ﴿ وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ﴾ ، ولقد أراد الكفار القضاء على الدعوة بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو نفيه بإخراجه إلى مكان بعيد، أو سجنه، وأراد الله سبحانه وتعالى أن يلفتنا إلى أن الباطل لا يمكن أن يعلو على الحق، وأن الحق دائما هو الأعلى، ولذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿ وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ﴾ ولا يجعل الله كلمة الكفار السفلى إلا إذا كانت في وقت ما في علو.
وإن كان علوها هو علو الزبد على الماء الذي قال عنه الحق سبحانه وتعالى:
فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض..
[الرعد: 17]. ولقد ضرب الله هذا المثل فقال:
أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها..
[الرعد: 17]. أي: أن كل واد أخذ ما قدره الله له من الماء.
فاحتمل السيل زبدا رابيا
[الرعد: 17]. وهذا نلاحظه عندما يحدث سيل، ونجده يأخذ معه القش والقاذورات التي لها كثافة قليلة لتطفو على سطح الماء، ولكن أتظل عليه؟. لا، بل تطرد إلى الجوانب بقوة التيار ويبقى الماء نظيفا. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى:
كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض..
[الرعد: 17]. إذن: فالحق سبحانه وتعالى يخبرنا أن كلمة الكفار كانت في علو كالزبد، ولكن: لماذا أوجد الله علوا ولو مؤقتا للكفر؟ أراد الحق ذلك حتى إذا جاء الإسلام وانتصر على الكفر يكون قد انتصر على شيء عال فيجعله أسفل ولذلك جاء الله سبحانه وتعالى بالمقابل وقال: ﴿ وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا ﴾ ، فالنسق الأدائي في القرآن كان لا بد أن يتم على أساس لذلك جاء القول: ﴿ وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا ﴾ لأن كلمة الله دائما وأبدا هي العليا، وليست كلمة الله عليا جعلا، فهي لم تكن في أي وقت من الأوقات إلا وهي العليا. ولهذا لم يعطفها بالنصب لأن كلمة الحق سبحانه وتعالى هي العليا دائما وأبدا وأزلا. وإن كان الكفار قد أرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أن يخرجوه إلى مكان بعيد لا يستطيع فيه أن يمارس دعوته، أو يحبسوه، فإنهم لم يظفروا بشيء من هذا لأن الله عزيز لا يغلب، وعزته مبنية على الحكمة. وهنا يريد الحق سبحانه وتعالى أن يلفت المؤمنين إلى أن تثاقلهم عن الجهاد في غزوة تبوك لن يضر الدعوة شيئا لأن الله قد نصر رسوله وهو وحده، ونصره بجنود لم يروها، فإذا كان النصر لا يحتاج إلا لكلمة الله، ولا يتم إلا بإرادة الله، فلماذا إذن التثاقل؟ ويقول سبحانه بعد ذلك: ﴿ انفروا خفافا وثقالا وجهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله... ﴾.