وأنت لو نظرت إلى الدنيا نظرة فاحصة، تجد أنها متغيرة متبدلة، فالصحيح يصبح مريضا، والغني يصبح فقيرا، والقوي يصبح ضعيفا. إذن: فمتاع الدنيا متغير ولا عصمة لك فيه، وأنت لا تستطيع أن تعصم نفسك من المرض أو من الضعف أو من الفقر لأن هذه كلها أغيار تحكمك ولا تحكمها أنت تقهرك ولا تستطيع أنت أن تقهرها. فإن رضيت بمتاع الدنيا اليوم فأنت لا تضمن استمراره إلى غد. ولهذا ينبغي ألا تؤخر تنفيذ ما يكلفك به الله لأنك الآن تستطيع أن تؤديه، لكن أنت لا تضمن إن كنت قادرا غدا أم لا. كذلك لا تأخذ التكليف على أنه قد يسلبك حريتك أو مالك، بل هو يسلبك ويعطيك في نفس الوقت. فإذا أمر الله سبحانه بأن تخرج الزكاة، قد تعتقد أن هذا ينقص مالك، أو تقول: هذه غرامة. نقول: إن هذا في ظاهر الأمر قد يكون صحيحا، ولكنه سبحانه يأخذ منك هذا المال فيزيده لك وينميه فإذا بالجنيه الواحد قد تضاعف إلى سبعمائة مثل، ثم تضاعف إلى ما شاء الله، كما أن هذا الحكم الذي يأخذ منك الآن وأنت غني، هو بذاته الذي سوف يعطيك إن افتقرت ولجأت إلى الناس. فإذا كان الحكم الذي سيأخذ هو الذي سيعطي تكون هذه عدالة وتأمينا ضد الأغيار، وعليك أن تقارن الصفقة النفعية بمقابلها، وساعة تعطي أنت الذي لا يملك، لا بد أن تتذكر أنه قد يأتي عليك يوم لا تملك فيه. وكلمة دنيا بالنسبة لحياتنا أعطتنا الوصف الطبيعي الذي ينطبق عليها لأن " الدنيا " مقابلها " العليا ". والحياة العليا تكون في الآخرة. فإذا كانت هذه هي الحياة الدنيا. فلماذا تربط نفسك بالأدنى إلا أن يكون ذلك خورا في العزيمة؟ والمثال للقوة الإيمانية هو: سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وكان قبل أن يصبح خليفة المؤمنين يرتدي أفخر الثياب ويتعطر بأجمل العطور، وكان الناس يدفعون أموالا لمن يغسل ثياب عمر بن عبد العزيز ليدخلوا ثيابهم مع ثيابه حتى تمتلئ عطرا. وذلك من غزارة وجود العطر الذي كان يضعه عمر بن عبد العزيز على ثيابه فتخرج كل الثياب مليئة بالعطر. وعندما أصبح عمر بن عبد العزيز خليفة، كانوا يأتونه بالثوب الخشن الذي كان يرفض ارتداءه قبل الخلافة، فيرفضه ويقول: هاتوا أخشن منه، وامتنع عن العطر، أي: أن معاييره قد تغيرت وليس في هذا أدنى تناقض، بل هو علو في الحياة، ولذلك قال: اشتاقت نفسي إلى الإمارة فقلت لها: اقعدي يا نفس، فلما نلتها اشتاقت نفسي إلى الخلافة فنهيتها عن ذلك، فلما نلتها أي نال الخلافة، اشتاقت نفسي إلى الجنة فسلكت كل طريق يؤدي إليها.
وهكذا نعرف أن سلوكه رضي الله عنه لم يكن في تناقض بل تعلية للصفقة الإيمانية. كان دائما في علو يريد أن يواصله، فقد اشتاق أولا إلى الإمارة، فلما تحققت أراد أن يعلو فاشتاق للخلافة، فلما تحققت أراد أن يعلو فاشتاق إلى الجنة، إذن: فهو دائما في علو. وأقول: ليس في سلوكه أدنى تناقض لأن علماء النفس يفسرون التناقض في السلوك البشري على أنه اختلاف في المقارنة، فالإنسان يقارن بشيء ثم يقارن بشيء آخر وهكذا لأن كل شيء في الدنيا نسبي. ومعنى النسبية أن ينسب الشيء لما حوله، فإذا قلت: إنني أسكن فوق فلان، فأنت في نفس الوقت تسكن تحت فلان الذي يعيش في الطابق الذي يعلوك. إذن: فأنت فوق فلان وتحت فلان في نفس الوقت، فلا تأخذ نقطة وتغفل عن الأخرى، وهذا اسمه " معنى إضافي " أي: أن المعاني لا تتحقق بذاتها، ولكن بالنسبة إلى شيء تقاس به، وكذلك المقاييس بين الأشياء يجب أن نقيسها بالأمور التي تصعد لك القيمة. فأنت إذا نظرت إلى الدنيا تجد أن الحق سبحانه أسماها: دنيا ولم يجد اسما أقل من هذا ليسميها به، لماذا؟ لأنك تتنعم في الدنيا على قدر وجودك فيها، أي على قدر عمرك، وهو مهما زاد وطال فهو سنوات معدودة، وقد يكون متاعك منها حتى سن الثلاثين أو الأربعين أو الخمسين. أو أكثر من ذلك أو أقل. ومتاعك فيها بما تحققه قدراتك، فالذي عنده ألف جنيه يتمتع على قدرها، والذي عنده عدة ألوف متاعه على قدرها، وصاحب الملايين متاعه أكبر. إذن: فكل واحد يتمتع بقدر ما عنده من مال. وحتى إن وصل الإنسان إلى أعلى متاع في الدنيا متاع صاحب الملايين، فهذه الملايين إما أن تزول عن صاحبها، وإما أن يترك هو هذه الملايين بالموت. وهذه تتحقق وهذه تتحقق. إذن: فنعمة الدنيا إما أن تنخلع منك أو تنخلع أنت منها. فإذا جئت إلى المقابل وهو الآخرة تجد أن النعيم فيها دائم لا يزول عنك، وأنت خالد لا تزول عن النعمة بالفناء أو الموت، وأنت لا تتمتع في الآخرة بقدراتك أنت، بل بقدرة الله سبحانه. فكأن المتاع أكبر كثيرا من قدرتك، وأعلى كثيرا من كل ما تستطيع أن تحققه. فمثلا: إن كان معك ريال وجاءك رجل فقير فأعطيته له ليأكل به، تكون في ظاهر الأمر قد آثرت الفقير على نفسك لأنك أعطيته كل ما تملك ليأكل به وحرمت نفسك منه، ولكنك في الحقيقة فضلت نفسك على الفقير لأنك أعطيته هذا الريال ليكون عند الله عشرة إلى سبعمائة ضعف، فمن منكما الذي استفاد؟ ومن منكما الذي انتفع؟ إنه أنت.