تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولذلك نجد أن الدين الصحيح ضد الأنانية الحمقاء، ويعلي فيك الأنانية العاقلة بأن يجعلك تحب نفسك حبا أعلى. فأنت حين تتصدق تحب نفسك، ولذلك تريد أن تعطيها الأعلى والأنفع. فظاهر الأمر أنك أعطيت، وفي حقيقته أنك قد أخذت. وأنت حين تعطي إنسانا مساويا لك كأن تقدم له هدية في مناسبة معينة، تنتظر أن يرد إليك الهدية بمثلها في مناسبة أخرى. إذن: فالعطاء متساو، وقد يرد هذا الإنسان الهدية، وقد لا يردها. وقد ينوي ردها ولكن تصادفه ظروف لا تمكنه من أن يردها لك. لكن الحق سبحانه يقول:

من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة...

[البقرة: 245]. إذن: فحينما تعطي ابتغاء وجه الله فأنت لا تحصل على عطاء مساو لما أعطيت. لكنك تحصل على عطاء مضاعف أضعافا مضاعفة. والذي يعطيك الثواب هو الله سبحانه وتعالى دائم الوجود، ولن ينفد عطاؤه لك لأنه دائم القدرة، ولن يأتي عليه وقت يكون غير قادر على أن يرد لك ما أعطيت لأن عنده كنوز السماوات والأرض وهو سبحانه قادر على أن يضاعف لك مهما كانت قيمة عطائك. فإن فضلت الحياة الدنيا على الآخرة، فأنت تقيس بمقاييس الكمال عندك وهي مقاييس ساقطة وهابطة، ولو كنت تملك المقياس الصحيح لعرفت أن الذي يحقق لك النفع الأكبر هو أن تعطي وتعمل طلبا للآخرة وليس للدنيا. ولذلك فالحق سبحانه يقول هنا: ﴿ أرضيتم بالحيوة الدنيا من الآخرة ﴾ أي: أنكم أردتم الحياة الدنيا بدل الآخرة. وهذه مقارنة غير عاقلة وغير حكيمة. وكلمة ﴿ من ﴾ تدل على البدل في قوله: ﴿ بالحيوة الدنيا ﴾ ومادة البدل والاستبدال البيع والشراء، ونعرف أن الباء تدخل على المتروك، فأنت تقول: اشتريت الشيء بكذا درهم، أي: تركت الدراهم مقابل شرائك الشيء، كأن هؤلاء الراضين بالحياة الدنيا قد أخذوا الدنيا بدلا من الآخرة، وهذه صفقة تخلو من العقل والحكمة. وبعد أن استنكر الله سبحانه وتعالى على المؤمنين أن يرضوا بالحياة الدنيا ويتركوا الآخرة يقول سبحانه: ﴿ فما متاع الحيوة الدنيا في الآخرة إلا قليل ﴾ والمتاع: هو ما يستمتع به. والإنسان لا يستطيع أن يوقن أنه سيستمتع بالحياة، وهذا أمر مطعون فيه، فليس كل كائن حي مستمتعا بالحياة، هناك أشقياء وهناك تعساء، وهناك من حياتهم كلها تعب، وحتى أولئك المستمتعون بالحياة في الحاضر، من يدريهم ماذا يحمل المستقبل لهم؟ ألا يمكن أن يكون استمتاعهم هذا وقتيا؟ ألا يمكن أن يأتيهم ظرف من الظروف أو قدر من الأقدار يملأ حياتهم بالشقاء؟ إننا نجد العقلاء - حين يرون في نعمة الله عليهم ما يكدر حياتهم - يشكرون الله، بينما نجد الإنسان السطحي التفكير والفهم يستاء وينفعل ويزيد الموقف معاناة.

العاقل - إذن - يعرف أن الإنسان يعيش في دنيا أغيار، ومعنى أننا نعيش في دنيا أغيار أنه تأتي أحداث تنقلنا من حال إلى حال، أي من الغنى إلى الفقر. أو من الصحة إلى المرض إلى غير ذلك من أحوال الدنيا المتقلبة المتغيرة، ففي الدنيا لا يدوم حال، وما دامت الدنيا أغيارا فأحوال الناس تتغير فيها دائما. وهب أن إنسانا وصل إلى القمة التي لا يوجد أعلى منها. نقول له: لا داعي أن يأخذك الفرح والكبر والخيلاء، ولا تنس أنك تعيش في دنيا أغيار، وأن دوام الحال من المحال، فلو دامت لغيرك ما وصلت أنت إلى القمة لأن من كان عليها سقط فصعدت أنت. إذن: فمعنى هذا أنك وإن وصلت للقمة فلن تثبت عليها وتبقى هكذا بلا تغيير. وما دمت قد وصلت إلى أعلى ما يمكن، فالتغيير الوحيد الذي يمكن أن يحدث لك هو أن تنزل لأنك وصلت إلى قمة الصعود، ولم يعد بعدها شيء تصعد إليه. فالتغيير المتوقع لا بد أن يكون إلى أسفل، ويقال: " ترقب زوالا إذا قيل تم " ، ولهذا نجد أهل الحكمة والبصيرة يقولون: إن المصائب في الأموال والأنفس من تمائم النعمة، وكأن الحق لا يريد أن يتمم النعم لأنها إن تمت تزول لأن المصيبة ما دامت قد حدثت فلا بد أن تزول. وسبحانه حين يقول: ﴿ فما متاع الحيوة الدنيا في الآخرة إلا قليل ﴾ يريد أن يبين لنا أن متاع الآخرة أكبر، فأنت حين تقول: شيء في شيء. فأيهما يكون أكبر؟ إنه الذي يدخل فيه الشيء الآخر، فإذا قلنا: فلان في البيت، فمعنى ذلك أن البيت أكبر من فلان هذا، وإلا لما احتواه داخله. وإن قلنا: محمد في جدة أو في المملكة العربية السعودية أو في مصر يكون هناك ظرف ومظروف، والمظروف عادة أوسع من الظرف، وسعته كبيرة لدرجة أنه تحيط بالظرف من كل جوانبه. وقول الحق سبحانه: ﴿ فما متاع الحيوة الدنيا في الآخرة إلا قليل ﴾ معناه: أن متاع الدنيا يتوه في متاع الآخرة لأن متاع الآخرة أوسع ويحتوي متاع الدنيا ويزيد، وما دام الكلام بقدرة الله سبحانه وتعالى، فمعنى ذلك أن سعة متاع الآخرة بالنسبة لمتاع الدنيا لا نهائية. فإذا زاد الحق سبحانه وقال: ﴿ فما متاع الحيوة الدنيا في الآخرة إلا قليل ﴾ فهو لإعطاء صورة لسعة متاع الآخرة. لكن هذا الاستثناء في قوله تعالى ﴿ إلا قليل ﴾ إنما هو لمخاطبة العقول بالنسبة لقمة المتمتعين في الدنيا. ومثال هذا: أنك تجد إنسانا قد أعطاه الله قمة متاع الدنيا، وتجده يعتقد أن المتاع لا يمكن أن يزيد على ما وصل إليه، فيوضح الحق سبحانه وتعالى له: لو أنك متمتع بكل ما تستطيع أن تعطيه لك الدنيا فهو بالنسبة لمتاع الآخرة قليل.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢١٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢١٨٣