ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر...
[البقرة: 185]. فإذا كان الله قد أباح للمريض أن يفطر، فكيف يأتي إنسان ويقول: إن علة فرض الصوم هي شفاء الأمراض؟ كما أن هناك بعض الأمراض لا يسمح معها بالصوم. إذن: فنحن نصوم لأن الله فرض علينا الصوم، وما دام الله قد قال فسبب التنفيذ هو أن القول صادر من الله سبحانه، ولا شيء غير ذلك، فإذا ظهرت حكمة التكليف فإنها تزيدنا إيمانا، مثلما ثبت ضرر لحم الخنزير بالنسبة للإنسان لأن لحم الخنزير مليء بالميكروبات والجراثيم التي يأكلها مع القمامة، ونحن لا نمتنع عن أكل لحم الخنزير لهذا السبب، بل نمتنع عن أكله لأن الله قد أمرنا بذلك، ولو أن هذه الحكمة لم يكشف عنها الطب ما قلل هذا من اقتناعنا بعدم أكل لحم الخنزير لأننا نأخذ التكليف من الله، وليس من أي مصدر آخر.
ونعود إلى خواطرنا حول الآية الكريمة: ﴿ يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ﴾ ، ونجد كلمة: ﴿ ما لكم ﴾ تأتي حين نتعجب من حال لا يتفق مع حال، وكأن حرب المؤمنين للكفار أمر متوقع وتقتضيه الحال لأن المؤمنين حين يقاتلون الكفار إنما يدخلون شيئا من اليقين على أهل الاستقامة، فأهل الاستقامة إن لم يجدوا من يضرب على أيدي الكافرين فقد ينحرف على أيدي الكفار، فإنه بفعله هذا يربب في المؤمن إيمانه لأنه يرى عدوه وهو يتلقى النكال. كأن تقول للتلميذ: ما لك تهمل في مذاكرتك وقد قرب الامتحان؟ أي: أن المفروض أنه إذا قرب الامتحان لا بد أن يجتهد الطالب في المذاكرة. فإن أهمل التلميذ عمله فنحن نتعجب من سلوكه لأنه لا يتفق مع ما كان يجب أن يحدث. وبذلك نستنكر أن يحدث مثل هذا الإهمال، مثلما نستنكر ونتعجب من مريض يترك الدواء بينما هو يتألم. ويتعجب الحق سبحانه هنا من تثاقل المؤمنين حين يدعون إلى القتال لأن قوة الإيمان تدعو دائما إلى أن يكون هناك استعداد مستمر للقتال، وهذا الاستعداد يخيف الكفار ويمنع عدوانهم واستهتارهم بالمؤمنين أولا، كما أنه ثانيا يجعل المؤمنين قادرين على الرد والردع في أي وقت. ويعطي ثالثا شيئا من اليقين للمجتمع المؤمن عندما يرى أن هناك من يضرب على يد الكافرين إذا استهانوا بمجتمع الإيمان وحاولوا أن يستذلوا المؤمنين. إذن: فلكي يبقى المجتمع المؤمن قويا وآمنا لا بد أن يوجد استعداد دائم للقتال في سبيل الله ورغبة في الشهادة، وهنا يقول الحق: ﴿ ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله ﴾ فكأن الاستعداد المستمر للقتال في سبيل الله أمر لا بد أن يوجد بالفطرة وبالعقل، فإذا ضعف هذا الاستعداد أو قل صار هذا الأمر موطنا للتعجب لأن المؤمنين يعرفون أن مجتمع الكفر يتربص بهم دائما، وعليهم أن يكونوا على استعداد دائم مستمر للمواجهة، ويستنكر الحق أن يتثاقل المؤمنون إذا دعوا للقتال في سبيل الله أو أن يتكاسلوا. وقوله سبحانه: ﴿ انفروا ﴾ من " النفرة " وهي الخروج إلى أمر يهيج استقرار الإنسان، فحين يكون الإنسان جالسا في مكانه، قد يأتي أمر يهيجه فيقوم ليفعل ما يتناسب مع الأمر المهيج، فأنت مثلا إذا رأيت إنسانا سيسقط في بئر، فهذا الأمر يهيجك، فتنطلق من مكانك لتجذبه بعيدا، ومنه النفره التي تحدث بين الأحباب الذين يعيشون في ود دائم، وقد يحدث بينهم أمر يحول هذا الود إلى جفوة. إذن: فكلمة ﴿ انفروا ﴾ تدل على الخروج إلى أمر مهيج، وهو المنطق الطبيعي الذي يجب أن يكون لأن عمل الكفار يهيج المؤمنين على مواجهتهم.
وقول الحق سبحانه: ﴿ انفروا ﴾ يدل على الاستفزاز المستمر من الكفار للمؤمنين. ويقول الحق تعالى: ﴿ ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم ﴾. والثقل معناه: أن كتلة الشيء تكون زائدة على قدرة من يحمله، فإن قلت: إن هذا الشيء ثقيل فهذا يعني أن وزنه مثلا أكبر من قوة عضلاتك فلا تستطيع أن تحمله. أما التثاقل فهو عدم موافقة الشيء لطبيعة التكوين. كأن تقول: فلان ثقيل أي أن وزنه ضخم ولا يستطيع أن يقوم من مكانه إلا بصعوبة، ولا أن يتحرك إلا بمشقة. ولكن التثاقل معناه تكلف المشقة، أي: لك قدرة على الفعل، ولكنك تتصنع أنك غير قادر، كأن يكون هناك - على سبيل المثال - شيء وزنه رطل، ثم تدعي أنه ثقيل عليك ولا تستطيع أن تحمله. إذن: فقوله تعالى: ﴿ اثاقلتم إلى الأرض ﴾ أي: تكلفتم الثقل بدون حقيقة، فأنتم عندكم قدرة على القتال ولكنكم تظاهرتم بأن لا قدرة لكم. وهكذا نعرف أن الموقف يقتضي النفرة ليواجهوا الكفر لأن المنهج الذي ارتضوه لأنفسهم والتزموا به يحقق السلامة والأمن والاطمئنان لهم ولغيرهم، وكأن التثاقل إلى الأرض له مقابل، فالنفرة تكون في سبيل الله، والمقابل في سبيل الشيطان أو في سبيل شهوات النفس. لقد تحدث العلماء في المسائل التي تجعل الإنسان يقبل على المعصية، وهي النفس التي تحدث الإنسان بشيء، فالإنسان يقبل على المعصية بهذين العاملين فقط. فما الفرق بين الاثنين؟ وكيف يتعرف الإنسان على ذلك؟ قال العلماء: إذا كانت النفس تلح عليك أن تفعل معصية بعينها بحيث إذا صرفتها عنها عادت تلح عليك لاقتراف نفس المعصية لتحقق متعة عاجلة، فهذا إلحاح من النفس الأمارة بالسوء. ولكن الشيطان لا يريد منك ذلك، إنه يريدك مخالفا لمنهج الله على أي لون، فإذا استعصى عليه أن يجذبك إلى المال الحرام، فهو يزين لك شهوة النساء، فإذا فشل جاء من ناحية الخمر. إذن: فهو يريدك عاصيا بأي معصية، ولكن النفس تريدك عاصيا بنفس المعصية التي تشتهيها. وهذا هو الفرق. وهكذا نعرف أن هناك واقعين، واقعا يدعو المؤمنين إلى قتال الكفار الذين يفسدون منهج الله في الأرض، وواقعا يدعوهم إلى أن يتثاقلوا عن هذا القتال، وذلك إما بسبب حب الدنيا لتحقيق شهوة النفس أو إغراء الشيطان، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ أرضيتم بالحيوة الدنيا من الآخرة ﴾ والرضا هو حب القلب، فيقال: فلان راض لأنه مسرور بالحال الذي هو فيه. ومعنى تثاقل المؤمنين عن القتال في سبيل الله، أن هناك شيئا قد غلب شيئا آخر في داخل نفوسهم، فالرضا بالحياة الدنيا قد تغلب على حب الآخرة. ولكن المنطق الإيماني يقول: إنه إذا كان هناك أمر آخر غير الدنيا، أو حياة أخرى غير حياتنا الدنيوية، فلا بد أن نقارن بين ما تعطيه الدنيا وبين ما تعطيه الآخرة، فإذا رضينا بما تقدمه لنا هذه الحياة المادية، يكون المؤمن بلا طموح وبلا ذكاء لأنه رضي بمتاع قليل زائل وترك متاعا أبديا ممتدا بقدرة الله.