تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا...

[النساء: 51]. أي أن اليهود قالوا: إن عبدة الأصنام أهدى من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه، قالوا ذلك رغم أن كتبهم قد ذكرت لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيأتي بالدين الخاتم حتى إنهم كانوا يقولون لأهل المدينة من المشركين: لقد أطل زمان نبي سنتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم. كذلك في كتب أهل الكتاب نبأ رسول الله وأوصافه وزمانه. وعندما تحقق ما في كتبهم كفروا به واجتمعوا مع أهل الباطل. وهنا يوضح لنا الحق: ما دام الباطل قد اجتمع عليكم وأنتم على الحق فلا بد أن تجتمعوا على دحض الباطل وإزهاقه ولذلك يقول سبحانه وتعالى: ﴿ وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ إذن: فالله يأمر المؤمنين بأن يجتمعوا على قتال الكافرين، ولأن الله مع الذين آمنوا لذلك فهو ينصر المؤمنين، وإذا وجد الله مع قوم ولم يوجد مع آخرين، فأي الكفتين أرجح؟ لا بد من رجحان كفة المؤمنين. ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾.

والعلم - كما قلنا - حكم يقين عليه دليل، أي لا يحتاج إلى دليل لأن العلم هو أن تأتي بقضية غير معلومة، م تقيم الدليل عليها لتصبح يقينا. وإذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ واعلموا ﴾ فالعلم هنا ينتقل من علم يقين إلى عين يقين. والعلم - كما نعرف - قضية معلومة في النفس يؤيدها الواقع وتستطيع أن تقيم عليها الدليل. فإذا علمت بشيء أخبرت به، ويقينك بما علمت يكون على قدر ثقتك بمن أخبرك. والمثال: حين قيل لأبي بكر رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

" إنه أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وعرج به إلى السماء السابعة، هنا قال الصديق: إن كان قد قال فقد صدق "

، وكانت هذه هي ثقته في القائل، وهو يستمد منها الثقة فيما قال وروي. وحينما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدتنا خديجة رضي الله عنها بخبر الوحي وأبدى خوفه مما يرى، قالت: " كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق " ، وهي بذلك قد أخذت من المقدمات حيثيات الحكم وكانت أول مجتهدة في الإسلام عملت بالقياس. فقد قاست الحاضر بالماضي. وعندما يقول الحق: ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ فيكفينا أن يكون هذا كلام الله سبحانه ليكون يقينا في نفوسنا، وهناك علم يقين يأتيك ممن تثق في علمه وصدقه، وأنت إن رأيت الشيء الذي أخبرت به وشاهدته يصبح عين يقين، فإذا اختبرته وعشت فيه يصبح حق يقين. وحين قال الحق: ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ وجدنا بعض المؤمنين قد أخذوها على أنها علم يقين، أو عين يقين، أو حق يقين لأنهم شاهدوا ذلك في المعارك حين كانوا قلة، فمن أخذ كلام الله دون مناقشة عقلية - لأن الله هو القائل - أخذه علم يقين. والذي أخذ الكلام على أنه يصل إلى درجة المشاهدة أخذه على أنه حق يقين، والذي أخذ الكلام كأنه عايشه فهذا عين يقين، ولكي نعرف هذه المنازل نقرأ قول الحق سبحانه وتعالى:

ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر * كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون * كلا لو تعلمون علم اليقين

[التكاثر: 1-5]. وهذه أولى الدرجات: علم يقين لأنه صادر عن الحق سبحانه وتعالى:

لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين

[التكاثر: 6-7]. أي: أنكم في الآخرة سوف ترونها بأعينكم بعد أن كنتم مؤمنين بها كعلم يقين، أما الآن فقد أصبحت عين يقين أي مشاهدة بالعين. وفي هذه السورة أعطانا الحق مرحلتين من مراحل اليقين هما: علم اليقين وعين اليقين، ففي الآخرة سوف يضرب الصراط على جهنم، ويرى الناس - كل الناس، المؤمن منهم والكافر - نار جهنم، وهم يمرون فوق الصراط، ويرونها مشتعلة متأججة، وحين يمر المؤمن فوق الصراط ويرى جهنم وهولها، يعرف كيف نجاه الإيمان من هذا العذاب الرهيب فيفرح فإذا دخل الجنة ورأى نعيمها يزداد فرحة فله فرحة بأنه نجا من العذاب، وفرحة بالنعم وبالمنعم، ويقول المؤمن: الحمد لله الذي أنقذني من النار.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢١٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢١٧٧