وهذه نعمة كبيرة وفوز عظيم، ولذلك يقول الحق:
فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز...
[آل عمران: 185]. فالنجاة من النار وحدها فضل كبير، ودخول الجنة فضل أكبر، والحق هو القائل:
وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا
[مريم: 71]. ويرد الشيء أي يصل إليه دون أن يدخل فيه، ويقال: ورد الماء أي وصل إلى مكانه دون أن يشرب منه. إذن فكل منا سوف يرى جهنم، ويعرف المؤمن نعمة الله عليه لأنه أنجاه منها، ويندم الكافر لأنه يعذب فيها. وقد ضربت من قبل مثلا - ولله المثل الأعلى - بالقراءة عن مدينة نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية، ويعرف القارىء أنه مبنية على عدة جزر، وفيها ناطحات سحاب وأنها مزدحمة بالسكان، وهذه القراءة هي علم يقين، فإذا ركب الإنسان الطائرة ورآها من الجو يكون ذلك عين يقين، فإذا ما نزل وعاش على أرضها بين ناطحاتها وعايش ازدحامها بالسكان يكون ذلك حق اليقين. وفي سورة التكاثر جاء الله سبحانه وتعالى بمرحلتين فقط من مراحل اليقين، وجاء بالمرحلة الثالثة في سورة الواقعة، فقال:
فأمآ إن كان من المقربين * فروح وريحان وجنت نعيم * وأمآ إن كان من أصحاب اليمين * فسلام لك من أصحاب اليمين * وأمآ إن كان من المكذبين الضآلين * فنزل من حميم * وتصلية جحيم * إن هذا لهو حق اليقين
[الواقعة: 88-95]. وحق اليقين هو آخر مراحل العلم، والإنسان قد يكابر في حقيقة ما حين يقرؤها، وقد يجادل في حقيقة يشاهدها، ولكنه لا يستطيع أن يكابر في واقع يعيشه، وقد حدث ذلك وحملته لنا سطور الكتب عن سيدنا عمر وقد قال عن أحد المعارك: " وحينما شهرت سيفي لأقصف رأس فلان وجدت شيئا سبقني إليه وقصف رأسه " أي: هناك من شاهد ذلك بنفسه. وبعد ذلك يعطي الله الحكم فيمن يغير الأشهر الحرم أو يبدلها فيقدمها شهرا، أو يؤخرها شهرا، فيقول: ﴿ إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما... ﴾.