فما يقوله تنفذه بلا نقاش لأنك وثقت في علمه. وأنت إذا مرضت - لا قدر الله - وكان هناك طبيب تثق في علمه وقال لك: خذ هذا الدواء أتناقشه أو تجادله؟ طبعا لا، بل تفعل ما يأمرك به بلا نقاش. فإذا سألك أحدهم: لماذا تتناول هذا الدواء؟ تقول: لقد كتبه لي الطبيب الذي أثق فيه. وهذا يكفي كحيثية للتنفيذ. فإذا جئنا إلى الله سبحانه الذي أعد لنا هذا الكون وأنزل إلينا منهجا وطالبنا أن نسلم له وجوهنا، وأن نفعل ما يأمرنا به في كل أمور الحياة، فإن احتجنا إلى حكمة فهو الحكيم وحده، وإن احتجنا إلى قدرة فهو القادر دائما، وإذا احتجنا إلى قهر فهو القاهر فوق عباده، وإن احتجنا إلى رزق فهو الرازق، وعنده كنوز السماوات والأرض. أيوجد من هو أحق من الحق سبحانه لنسلم زمامنا له ونفعل ما يأمرنا به؟ طبعا لا يوجد، وإذا سألنا أحد: لماذا نتبع هذا المنهج؟ نقول: إنه سبحانه قد أمرنا باتباعه. وهذا هو الإسلام الحقيقي أن تسلم اختيارك في الحياة لمرادات الخالق الأعلى، فالدين معناه الالتزام والانقياد لله، ولذلك يقول سبحانه: ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ [التوبة: 36] أي قيم على كل أمور حياتنا، والدليل على ذلك قائم فيما تحدثنا عنه، فما دام الله سبحانه وتعالى قد قال، فنحن نفعل. إذن: فالدين قيم علينا. والدين قيم أيضا على غيره من الرسالات السماوية، أي مهيمن عليها، وفي هذا يقول الحق:
وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه...
[المائدة: 48]. حددت الآية - التي نحن بصدد خواطرنا عنها - أشهرا حرما يحرم فيها القتال وحذرت من الظلم بالحرب أو غيرها، وقد يقال: إن معنى هذا أن تضعف حمية الحرب عند من يريد الحرب ضد الباطل، فنرى الباطل أمامنا خلال الأشهر الحرم ولا نحارب. نقول: إن هذا غير صحيح، ففترة السلام هذه تكون شحذا لهمم المقاتلين ضد الكفر والظلم لأنك قد ترى الباطل أمامك لكنك تمتثل لأمر الله في وقف القتال، فإن ذلك يزيد الانفعال الذي يحدثه الباطل في تحديه للنفس المؤمنة، فإذا انتهت الأشهر الحرم كنت أكثر حماسة. تماما كالإنسان الحليم الذي يرى إنسانا يضايقه باستمرار فيصبر عليه شهرا واثنين وثلاثة، فإذا نفذ صبره كان غضبه قويا شديدا، وقتاله شرسا، ولذلك قيل: " اتقوا غضب الحليم " لأن غضبه أقوى من غضب أي إنسان آخر. وكذلك يكون حلم المؤمن على الكافر في الأشهر الحرم شحذا لهمته إذا استمر الباطل في التحدي، وفي هذا تحذير للمسلمين من أن تضعف في نفوسهم فكرة القتال وعزيمتهم فيه، ولذلك يقول الحق سبحانه: ﴿ وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة ﴾ [التوبة: 36].
وكلمة ﴿ كآفة ﴾ هنا سبقها أمران: ﴿ وقاتلوا ﴾ فإلي أي طرف ترجع ﴿ كآفة ﴾ هنا؟ هل ترجعها إلى المؤمنين المقاتلين، أم إلى المقاتلين من الكفار؟ وهذا إثراء في الأداء القرآني في إيجاد اللفظ الذي يمكن أن نضعه هنا ونضعه هناك فيعطيك المعنى. ولكن هل يريدنا الحق أن نقاتل المشركين حالة كوننا - نحن المؤمنين - كافة؟ أم نقاتل المشركين حالة كونهم كافة؟. إن ﴿ كآفة ﴾ كما نعرف لفظ لا يجمع ولا يثنى، فالرجل كافة، والرجلان كافة، والقوم كافة، وهي مأخوذة من الكف. وتطلق أيضا على حافة الشيء لأنها منعت امتداده إلى حيز غيره. وفي لغة من يقومون بحياكة الملابس يقال: " كافة الثوب " حين يكون الثوب قد تنسل، فيقوم الحائك بمنع التنسيل بتكفيف الثوب. والحق سبحانه هنا يقول: ﴿ وقاتلوا المشركين كآفة ﴾ أي: يأيها المؤمنون كونوا جميعا في قتال المشركين. وهي تصلح للفرد، أي: للمقاتل الواحد، وللمقاتلين، ولجماعة المقاتلين. وقوله: ﴿ وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة ﴾ ذلك أن الباطل يتجمع مع الباطل دائما، والمثال الواضح في السيرة أن يهود المدينة تحالفوا مع الكفار ضد المسلمين، فكما أن الباطل يجتمع مع بعضه البعض فاجمعوا أنتم أيها المؤمنون وأصحاب الحق قوتكم لتواجهوا باطل الكفر والشرك. ويقول الإمام علي كرم الله وجهه: " أعجب كل العجب من تضافر الناس على باطلهم وفشلكم عن حقكم " ويتعجب الإمام علي رضي الله عنه من أن أهل الحق يفرطون في حقهم رغم اجتماع أهل الباطل على باطلهم. ويعطينا القرآن صورة من تجمع أهل الباطل في قول اليهود لكفار مكة: