تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونقول: إنكم حافظتم على العدد ولم تحافظوا على المعدود. ولو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبين الأربعة الأشهر المقصودة بالآية الكريمة من الاثني عشر شهرا، لأصبح من حق كل جماعة أن تختار ما تريده من أشهر السنة، ولكنه صلى الله عليه وسلم خصصها لأننا علمنا بذلك كيف نحافظ على الفرق بين العدد والمعدود. إن مسألة العدد والمعدود حلت لنا إشكالات كثيرة، منها إشكالات أثارها المستشرقون الذين يريدون أن يسيئوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الزواج كان مطلقا عند العرب، ثم حدد الله سبحانه وتعالى عدد الزوجات بأربع، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام الذين كانوا قد تزوجوا بأكثر من أربع زوجات أن يمسك الواحد منهم أربعا ويفارق الباقيات، وأضاف المستشرقون تساؤلا: إذا كان الرسول قد شرع للناس، فلماذا لم يطبق هذا الأمر على نفسه، ولماذا اتخذ تسع زوجات؟ ونقول: إننا إذا قمنا بعملية حسابية منصفة، لوجدنا أنها ليست توسعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما هي تضييق عليه، فأنت حين تأخذها من ناحية العدد فقط تقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ تسع زوجات وأمته أخذت أربعا، ولكنك لم تلاحظ مع العدد المعدود، أي أنه إذا ماتت زوجاتك الأربع أحلت لك أربع أخريات، وإن ماتت واحدة أحلت لك أخرى، إذن فأنت - كمسلم - عندك عدد لا معدود، بحيث إذا طلقت واحدة أو اثنتين حلت لك زوجة أو زوجتان أخريان، فأنت مقيد بالعدد، ولكن المعدود أنت حر فيه. أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد نزلت هذه الآية الكريمة:

لا يحل لك النسآء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن...

[الأحزاب: 52]. وهكذا نجد أن التشريع ضيق على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المعدود. وكان استثناؤه عليه الصلاة والسلام في العدد للتشريع، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتزوج بإرادة التشريع التي يشاؤها الله. وسبحانه يقول في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿ إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض ﴾ وعرفنا أن قوله سبحانه: ﴿ في كتاب الله ﴾ معناها اللوح المحفوظ أو القرآن، وقوله تعالى: ﴿ يوم خلق السموات والأرض ﴾ معناه: أنها مسألة لم تطرأ على الكون، ولكنها محسوبة من قبل أن يخلق الإنسان. فهي إذن مسألة من النظام الكوني الذي خلق عليه الكون. وهو سبحانه قد خلق الكون بدقة وإحكام، فكأن الحق يريد أن يلفتنا إلى أن من مهام الشمس والقمر أن يكونا حسابا للزمن لليوم والشهر والعام، ولذلك يقول سبحانه:

الشمس والقمر بحسبان

[الرحمن: 5].

أي: أنهما خلقا بحساب دقيق، ويقول سبحانه:

فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا

[الأنعام: 96]. أي: أنه سبحانه يطالبنا بأن نستخدم الشمس والقمر حسابا لنا. وهذا يتفق مع منطق الأمور، فالشيء الذي تريد أن تتخذه حسابا لك، لا بد أن يكون مصنوعا بحساب دقيق. ولذلك فإن الساعة مثلا إن لم تكن مصنوعة بدقة فإنها لا تصلح قياسا للوقت لأنها تقدم أو تؤخر. ولكن إن كانت مصنوعة بحساب دقيق فهي تعطيك الزمن الدقيق. إذن: فدقة قياس الزمن تعتمد أساسا على دقة صناعة آلات القياس. وقبل أن ينزل الحق هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، كان العرب يعترفون بالأشهر الأربعة الحرم، ولكنهم كانوا يغيرون في مواعيدها، فكانت الجماعة منهم تقاتل الأخرى، فإذا ما أحسوا بقرب انتصارهم وجاءت الأشهر الحرم قالوا: نستبدل شهرا بشهر، أي نقاتل في الشهر الحرام، ثم نأخذ شهرا آخر نمتنع عن القتال فيه، وحسبوا أنهم ما داموا قد حافظوا على العدد يكونون بذلك قد أدوا مطلوبات الله، ولكنهم نسوا أنهم لم يحافظوا على المعدود، ونسوا أن الدين مجموعة من القيم التي لا بد أن نؤمن بها ونطبقها. والإيمان - كما نعلم - هو انقياد وتسليم لله سبحانه وتعالى، فإذا أمر الله بأمر من الأمور فلا اختيار لنا فيه لأنه سبحانه وتعالى يرى بحكمته وعلمه هدفا أو أهدافا أو حكمة، وهنا يجب أن يقف الاختيار البشري، بمعنى أنه لا أحد يملك تعديل مرادات الله بأي شكل من الأشكال لأننا في حياتنا اليومية حين نرى واحدا من البشر قد اشتهر بحكمته وعلمه في أمر من الأمور أكثر منا، نقول له: وكلناك في هذا الأمر، وسنسير وراءك فيما تقرره. ومعنى هذا أننا سنسلم اختيارنا لاختيارات هذا الحكيم. إننا لا نعطي أحدا هذه الصلاحية إلا إذا تأكدنا بالتجربة أنه عليم بهذه المسألة، وأنه حكيم في تصرفه. وإن سألك أحد من الناس: لماذا تتصرف في ضوء ما يقوله لك فلان؟ فتقول: إنه حكيم وخبير في هذه المسائل، وهذا دليل منك على أنك واثق في علمه، وواثق في صدقه، وواثق في حكمته. والمثال الحي المتجدد أمامنا هو سيدنا أبو بكر رضي الله عنه عندما قيل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلن أنه نبي الله، قال أبو بكر رضي الله عنه: إن كان قد قال فقد صدق. قال أبو بكر رضي الله عنه هذا القول لأنه عرف ولمس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكذب قط في كل الأحداث السابقة، فإذا كان عليه الصلاة والسلام لا يكذب على أهل الأرض أيكذب على السماء؟ طبعا هذا غير معقول. وأنت لا تسلم زمام أمرك للمساوي لك إذا كانت هناك مقدمات أثبتت أنه أعلى منك في ناحية معينة، صحيح أنه مساويك في الفردية وفي الذاتية، ولكنه أعلى منك علما في المجال الذي يتفوق فيه.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢١٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢١٧٥