" الصلاة عماد الدين، من أقامها أقام الدين "
وهي الركن الوحيد من أركان الإسلام الذي لا يسقط أبدا لأن الفقير تسقط عنه الزكاة، والمريض يسقط عنه الصوم، وغير المستطيع يسقط عنه الحج، وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله يكفي أن تقال مرة واحدة في العمر، ولكن إقامة الصلاة لا تسقط أبدا. إذن فهي عماد الدين، ولذلك تتكرر خمس مرات يوميا لكل أهل الأرض، فالصبح في دولة قد يكون ظهرا في دولة ثانية، وعصرا في دولة ثالثة ومغربا في دولة رابعة وعشاء في دولة خامسة وذلك بسبب فروق التوقيت بين دول العالم، وهكذا تكون في كل لحظة من الزمن جميع أوقات الصلاة قائمة على الأرض، فيظل الله سبحانه وتعالى معبودا بالصلاة في كل الزمن في كل بقاع الأرض. وهكذا يرتفع الأذان: الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدا رسول الله في كل لحظة على الأرض. قد نجد رجلا أميا لا يعرف القراءة أو الكتابة، لكن له إشراقات نورانية، أفاض الله عليه يقول: يا زمن وفيك كل الزمن، أي يا فجر وفيك كل أوقات الصلاة على سطح الأرض. ولذلك فظاهر الأمر أن الصلوات خمس، والحقيقة أن الصلاة دائمة على وجه الأرض في كل ثانية، ولا يوجد جزء من الزمن إلا والله معبود فيه بعبادات كل الزمن، أي أنه في كل لحظة تمر نجد الله معبودا بالصلوات الخمس على ظهر الأرض. وهذا سبب ربط الصلاة بالشمس. وإذا عرفنا هذه الحقيقة، وعلمنا أن الكون كله يصلي لله في كل لحظة من الزمن، فإننا نعلم أن القرآن يتسع لأشياء كثيرة، وأن كل جيل يأخذ من القرآن على قدر عقله، فإذا ارتقى العقل أعطى القرآن عطاء جديدا.
وهذا ما يؤكد أن آيات القرآن يتسع إدراكها في الذهن كلما مر الزمن، فنتنبه إلى معان جديدة لم نكن ندركها. وعندما يأتي المستشرقون ليقولوا: إن في القرآن تناقضا في الكونيات. نقول لهم: مستحيل. فيقولون: لقد جاء في القرآن:
قال رب المشرق والمغرب وما بينهمآ إن كنتم تعقلون
[الشعراء: 28]. ويقول:
رب المشرقين ورب المغربين
[الرحمن: 17]. ويقول:
فلا أقسم برب المشرق والمغرب...
[المعارج: 40]. وبين هذه الآيات تناقض ظاهر. ونرد: إن التقدم العلمي جعلنا نفهم بعمق معنى هذه الآيات، فكل مكان على الأرض له مشرق وله مغرب، هذه هي النظرة العامة، إذن فقوله تعالى: ﴿ رب المشرق والمغرب ﴾ صحيح، ثم عرفنا أن الشمس حين تشرق عندي، تغرب عند قوم آخرين، وحين تغرب عندي تشرق عند قوم آخرين، إذن فمع كل مشرق مغرب ومع كل مغرب مشرق، فيكون هناك مشرقان ومغربان. ثم عرفنا أن الشمس لها مشرق كل يوم ومغرب كل يوم يختلف عن الآخر. وفي كل ثانية هناك شروق وغروب، إذن فالقسم هنا ﴿ برب المشرق والمغرب ﴾ لأن المشارق والمغارب مختلفة على مدار السنة. فإذا سأل أحدهم: لماذا تخصون القمر لحساب الزمن وتخصون الشمس لحساب اليوم؟ نقول: إن الشمس مرتبطة بعلامة يومية ظاهرة وهي النهار، واختفاؤها عنك مرتبط بعلامة يومية ظاهرة وهي الليل. ولكن القمر غير مرتبط بعلامة يومية، صحيح أن القمر موجود دائما، ولكن الإنسان لا يستطيع أن يدركه أو يراه إلا في أوقات محددة. بعض الناس يقول: إذا كان المقصود بهذه الآية - التي نحن بصدد خواطرنا عنها - هو بيان الأشهر الأربعة الحرم، فما فائدة باقي أشهر السنة؟ ونقول: إنك لن تستطيع أن تحدد الأشهر الحرم إلا من خلال بيان وتوضيح أمر السنة ومعرفة عدد أشهرها، وهذا أمر ضروري أيضا حتى تستطيع أن تحدد الأشهر الأربعة الحرم في العام. وإلا كيف يمكن أن نميز هذه الأشهر وزمنها؟ لا بد لنا إذن من أن نعلم أن هناك عاما، وأن العام فيه اثنا عشر شهرا لنستطيع أن نحدد الأشهر الحرم. والأشهر الحرم منها ثلاثة متتابعة وشهر فرد، والأشهر المتتابعة هي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وشهر رجب هو الشهر الفرد. وتحديد الحق لهذه الأشهر الأربعة يعني أنها تتميز بخصوصيات لأن الحق سبحانه وتعالى لو أراد أن تكون هذه الشهور في أي وقت من السنة لتركها لنا لنحددها بمعرفتنا فنختار أي أربعة أشهر على هوانا، لنمتنع فيها عن القتال، ولكن كون الله تبارك وتعالى حددها فذلك لخصوصيات فيها. جاء البعض وقال: ما دام سبحانه وتعالى قد جعل الشهور اثني عشر شهرا وجعل منها أربعة حرما، ونحن نريد أن نحارب في شهر المحرم فلنفعل ذلك ونمتنع عن القتال في شهر آخر غيره، وبذلك نكون قد حافظنا على عدد الأشهر الحرم وهي أربعة كما حددها الله.