لا أبالي بجمعهن فجم
عهن كل جمع مؤنث
إذن: فكل جمع يكون مؤنثا، وهذا ما ينطبق على قوله سبحانه وتعالى هنا: ﴿ فلا تظلموا فيهن أنفسكم ﴾.
وأكرر: إن أردت الظلم العام فإن الله قد حرم الظلم في كل شهور السنة سواء ظلمك لنفسك أم ظلمك للناس، وإن أردت من معنى الكلام تحريم الحرب في الأشهر الحرم تكون: ﴿ فلا تظلموا فيهن أنفسكم ﴾ قد أتت بالمؤنث. ومعنى قوله: ﴿ فلا تظلموا فيهن أنفسكم ﴾ أي: إياكم أن تظنوا أن مخالفتكم لمنهج الله يحدث منها شيء يضر الحق سبحانه، فكل ما يحدث من ظلمكم لأنفسكم هو أن تضروا أنفسكم أو غيركم، لكن لن يضر أحدكم الله لأن صفات الله في الكون لا تتأثر أطاع الخلق أم عصوا. ولذلك فإن اتباع منهج الله هو أمر لصالح الناس، لصالحنا نحن، فانصرافنا عن المنهج لا يضر الله سبحانه شيئا ولكن يضرنا نحن، فكل ما أنزله الله من قيم هو لصالحنا حربا وسلاما، وتحريما وتحليلا. ولكن لماذا خص الحق سبحانه الشمس بحساب اليوم، والقمر بحساب الشهر؟ وأقول: لأن الله سبحانه يريد أن يوزع الفضل على كل الزمن، وأن ييسر على الناس أداء مناسكه وما يكلفهم به. فلو حسبت الشهور بالشمس لكان ميعاد الحج كل عام في أشهر الصيف دائما، ومن يعيش مثلا في بلاد باردة إن ذهب إلى الحج صيفا يتعرض لأخطار شديدة، فكأنه ليس هناك عدل بين الذين يعيشون في مناطق باردة، والذين يعيشون في مناطق حارة في أداء مناسك الحج، فلو كان ميعاد الحج هو الصيف دائما، فسوف يؤديه الذين يعيشون في المناطق الحارة بسهولة، بينما يؤديه من يحيا في المناطق الباردة بصعوبة، ولتمام عدل الله بين خلقه نجده سبحانه قد أدار الأشهر القمرية في السنة الميلادية، فلا يأتي الحج أبدا في طقس واحد، وبذلك تستوي كل البيئات وكل الناس في أحكام الله. وأيضا صوم رمضان لو كان يأتي في الصيف دائما، لوجدنا بعض الناس سيصومون ثماني أو تسع ساعات، والذين يعيشون قرب القطب الشمالي يصومون عشرين ساعة في اليوم، ولكن مجيء رمضان في فصول السنة كلها يجعل أولئك الذين يعيشون قرب القطب الشمالي يصومون مرة تسع عشرة ساعة مثلا، ومرة ساعتين أو ثلاثا، وهذه تعوض تلك، فيتم العدل، وإذا أخذنا متوسط ساعات الصيام بالنسبة لهؤلاء الناس على مدار السنة، نجد أن فترات صومهم تسع عشرة ساعة وفترات ثلاث ساعات، وبذلك يتساوون في المتوسط مع أولئك الذين يصومون ثماني أو تسع ساعات يوميا. ونجد بالحساب أن تقويم الهلال ينقص عن تقويم الشمس بمقدار أحد عشر يوما وثلث يوم كل عام، ويكون الفرق عاما كاملا كل ثلاث وثلاثين سنة وثلث العام، أي أن رمضان يأتي مرة في يناير ومرة في فبراير ومرة في مارس، وكذلك الحج، وبذلك تتكافأ الفرص بين المؤمنين جميعا، فالذين يصومون في الصيف المعروف بيومه الطويل، يصومون في الشتاء ويومه قصير.
والذين يعانون من الصوم في حرارة الجو، يصومون أيضا في برد الشتاء، وهكذا يدور رمضان والحج في شهور العام كله، وبذلك يتم عدل الله على الجميع بالتشريع الحق، ويدور التكليف مشقة ويسرا وصعوبة وسهولة على جميع المؤمنين. وإذا نظرنا إلى ربط اليوم بالشمس نجد أن الحق سبحانه وتعالى الذي ربط أوقات الصلاة بالشمس، كفل لها الدوام التكليفي، لماذا؟ لأن القمر نراه أياما، ولكننا لا نراه في أيام المحاق، فلو ربطنا الصلاة بالقمر لضاع منا الدوام، مضافا إلى ذلك أن القمر يظهر لنا في أوقات غير متساوية فعندما يكون هلالا لا يظهر للعين في الأفق إلا دقائق معدودة، ولكن الشمس تشرق كل يوم في وقت محدد، وتغيب كل يوم في وقت محدد، وهي بضوئها ظاهرة للناس كل الناس من الشروق إلى الغروب، فلا يجدون مشقة في رؤيتها. ولذلك فربط الصلاة بالشمس فيه يسر التكليف ودوامه، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: