إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا * فأتبع سببا
[الكهف: 84-85] أي: أن الله سبحانه وتعالى أعطى لذي القرنين الأسباب، وهو زاد باجتهاده أسبابا أخرى إذن: فالحق سبحانه يريد من الإنسان أن يصلح في الأرض حتى يسعد المجتمع بأي إصلاح في الأرض ويستفيد منه الكل، ولذلك يعطي الحق سبحانه وتعالى اختيارات في أشياء ولا يعطيها في أشياء أخرى، فالإنسان له اختيار في أن يصلي أو لا يصلي، يتصدق أو لا يتصدق، يعمل أو لا يعمل إلى آخر ما نعلمه، ولكن الكون الأعلى محكوم بالقهر، فالشمس والقمر والنجوم والهواء والماء وكل هذا له نظام دقيق، فلا الشمس ولا القمر ولا النجوم، ولا غيرها من الكون الأعلى يخضع لاختيار الإنسان، وإلا لفسد الكون. وكل شيء مقهور سليم بالفطرة ولا يحدث فساد إلا في الشيء الذي فيه اختيار للإنسان لأن الاختيار قد يتبع الشهوة وهوى النفس، حتى المخلوقات المقهورة كالحيوانات التي سخرها الله للإنسان لا يأتي منها الشر. بل إن مخلفاتها تستخدم في زيادة خصوبة الأرض. ولكن الأشياء التي صنعها الإنسان ملأت أجواء الدنيا بالسموم ولوثت الجو لأن الأولى مخلوقة بهندسة إلهية، والثانية بهندسة بشرية علم صانعها أشياء وغابت عنه أشياء. وقد يعتقد الناس أن هناك بعضا من الاكتشافات قد حلت مشكلات الكون، ثم بعد ذلك وعندما تمر السنوات يعرفون أنه جاءت بالشقاء للبشرية، ولعل تلوث البيئة الذي بدأ يؤثر على حياة الكون أخيرا يلفتنا إلى ذلك، حتى إن الإنسان الذي قطع الأشجار وأزال الغابات التي خلقها الله في هذا الكون لتكون مصدرا للهواء النقي وأنشأ بدلا منها مصانع ومدنا بدأ الآن يحاول أن يعيد زراعة هذه الأشجار بعد أن علم أن تدخله في الكون قد أفسد جوه وماءه وأفسد على جميع الكائنات حياتهم، ولو أن الإنسان المختار عاش في الدنيا وفقا لمنهج الله تعالى لاستقام أمر الدنيا، كما استقام الكون الأعلى.
ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:
الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه البيان * الشمس والقمر بحسبان * والنجم والشجر يسجدان * والسمآء رفعها ووضع الميزان
[الرحمن: 1-7]. إذن: فالميزان للعلويات لا يختل أبدا، فإذا عرفتم ذلك فنفذوا أمر الحق سبحانه وتعالى في قوله:
ألا تطغوا في الميزان
[الرحمن: 8]. فإذا سرتم على ضوء منهج الله تعالى، تستقيم أموركم الدنيا كما استقامت أموركم العليا، وها هو ذا الكون أمامكم يسير منضبطا، وهذا شأن الشيء الذي فيه اختيار للإنسان إن لم يسر على منهج الله عز وجل تجدوه غير مستقيم. وعلى هذا إذا رأيت عورة في الكون من أي لون، فاعلم أن منهجا من مناهج الله قد عطل. ولذلك نجد - أيضا - أن المفسدين ساعة يرون أن مصلحا قد جاء ليضرب على أيدي المفسدين، تجدهم يحاولون إفساده وجذبه إليهم ليعيش فسادهم، وإذا لم يتحقق لهم ذلك فهم يقفون أمام هذا المصلح لأنهم إنما يعيشون بالفساد وعلى الفساد، ويصنعون لأنفسهم السيادة والجبروت ويستعبدون غيرهم، وحين يرى المفسدون رجلا يريد أن يعدل ميزان الكون فهم يحاربونه. وأنت حين تشتري سلعة، فالبائع يزن لك بمقدار ما تدفع من ثمن، ويحتاج البائع إلى ميزان منضبط ليزن لك به ما تشتريه، فإن كان بائعا مخادعا، فهو يعبث بالميزان ليبيع لك الأقل بالثمن الأكبر، وليبخسك حقك. ومثل هذا البائع مثل المفسدين الذين يرهقهم أن يأتي مصلح يعيد ميزان الكون لما أمر الله عز وجل من إقامة العدل وإصلاح المعوج. ومن قبل قلنا: إن الحق ضرب المثل فجعل له سبحانه نورين.. النور الأول حسي وهو في الماديات، والنور الثاني معنوي وهو في القيم، وكما أن النور الحسي يهدي الإنسان إلى طريقه دون أن يصطدم بأي شيء لأن الإنسان إن اصطدم بشيء أقل منه، فإنه يحطمه، وإذا كان الشيء أكبر من الإنسان فهو يحطم الإنسان، وهكذا يلعب النور دورا في الحسيات، وكذلك جعل الله للمعنويات نورا، لذلك قال الحق سبحانه وتعالى: