تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإذا قلنا مثلا: إن إيطاليا التي فيها الفاتيكان الذي يسيطر على العقائد المسيحية في العالم الغربي كله، وكانت الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان تحارب الطلاق وتهاجم الإسلام لأنه يبيح الطلاق، ثم اضطرتهم المشكلات الهائلة التي واجهت المجتمع الإيطالي وغيره من المجتمعات الأوروبية إلى أن يبيحوا الطلاق لأنهم لم يجدوا حلا للمشكلات الاجتماعية الجسيمة إلا بذلك. ولكن هل أباحوه لأن الإسلام أباحه، أم أباحوه لأن مشاكلهم الاجتماعية لا تحل إلا بإباحة الطلاق؟ وساعة يأخذون حلا لقضية لهم من ديننا ويطبقون الحل كتشريع، فهذه شهادة قوية، يتأكد لهم بها صحة دين الله ويتأكد بها قول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ليظهره على الدين كله ﴾ [التوبة: 33]

ولو كره الكافرون

[التوبة: 32]، وبالله لو كان الإظهار غلبة عقدية، بمعنى ألا يوجد على الأرض أديان أخرى، بل يوجد دين واحد هو الإسلام لما قال الحق هنا: ﴿ ولو كره المشركون ﴾ [التوبة: 33] ولما قال في موضع آخر من القرآن: ﴿ ولو كره المشركون ﴾ وهذا يعني أن الحق سبحانه وتعالى قد جعل من المعارضين للإسلام من يظهر الإسلام على غيره من الأديان لا ظهور اقتناع وإيمان، لا، بل يظلون على دينهم ولكن ظروفهم تضطرهم إلى أن يأخذوا حلولا لقضاياهم الصعبة من الإسلام. ومثال آخر من قضية أخرى، هي قضية الرضاعة، يقول الحق سبحانه وتعالى:

والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة

[البقرة: 233]. وقامت في أوروبا وأمريكا حملات كثيرة ضد الرضاعة الطبيعية، وطالبوا الناس باستخدام اللبن المجفف والمصنوع كيميائيا بدلا من لبن الأم، وكان ذلك في نظرهم نظاما أكمل لتغذية الطفل، ثم بعد ذلك ظهرت أضرار هائلة على صحة الطفل ونفسيته من عدم رضاعته من أمه. واضطر العالم كله إلى أن يعود إلى الرضاعة الطبيعية وبحماسة بالغة. هل فعلوا ذلك تصديقا للقرآن الكريم أم لأنهم وجدوا أنه لا حل لمشكلاتهم إلا بالرجوع إلى الرضاعة الطبيعية؟ وكذلك الخمر نجد الآن حربا شعواء ضد الخمر في الدول التي أباحتها من قبل وتوسعت فيها، ولكن شنوا عليها هذه الحروب بعد أن اكتشف العلم أضرارها على الكبد والمخ والسلوك الإنساني، هذا هو معنى ﴿ ليظهره على الدين كله ﴾ [التوبة: 33] أي: يجعله غالبا بالبرهان والحجة والحق والدليل على كل ما عداه. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ﴾ [التوبة: 33] فقد ظهر هذا الدين وغلب في مواجهة قضايا عديدة ظهرت في مجتمعات المشركين والكافرين الذين يكرهون هذا الدين ويحاربونه، وهو ظهور غير إيماني ولكنه ظهور إقراري، أي رغما عنهم. وبعد أن بين الله سبحانه وتعالى أن الأحبار والرهبان لا يؤمنون بالله الإيمان الصحيح، ولا باليوم الآخر بالشكل السليم، ويحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، ويتخذهم أتباعهم أربابا من دون الله. هنا يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢١٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢١٦٣