تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله

[الأحزاب: 5]. والحق سبحانه وتعالى يقول:

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتب ولم يجعل له عوجا * قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا * ماكثين فيه أبدا * وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا

[الكهف: 1-4]. أي: أن هذا القول منهم كلام له معنى في اعتقادهم، ولكن ليس له واقع، ولذلك قال المولى سبحانه وتعالى:

كبرت كلمة تخرج من أفواههم

[الكهف: 5] أي: لا واقع لهذا القول يسنده فهو كذب. ﴿ ذلك قولهم بأفواههم ﴾ [التوبة: 30] وهل هذا القول بالأفواه أهم ابتكروه أم ابتدعوه؟ إن الحق سبحانه يوضح لنا: ﴿ يضهئون قول الذين كفروا من قبل ﴾ [التوبة: 30] أي: أنهم لم يأتوا بهذا التصور من عندهم، بل من شيء له واقع، فقد قال المشركون ما أورده الحق على ألسنتهم:

وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا

[الزخرف: 19]. فقد توهم المشركون أن لله تعالى بنات والعياذ بالله - وسبحانه منزه عن ذلك، في ذلك يخاطبهم المولى

ألكم الذكر وله الأنثى

[النجم: 21] - إذن: فهذا كلام قديم لذلك قال الحق عنهم: ﴿ يضهئون ﴾ [التوبة: 30] أي: يشابهون ويماثلون الذين من قبلهم حينما قالوا مثل ذلك، كما أن البوذية في الصين واليابان قالت ببنوة الإله والحلول وقد حفظ بعضهم من هؤلاء، ولم يطرأ جديد من ألسنتهم، وهم كما وصفهم القرآن الكريم ﴿ يضهئون ﴾ [التوبة: 30] أي: يشابهون ويماثلون به قول الذين كفروا من قبل، و " المضاهاة " هي المماثلة والمشابهة، وقالوا: إن مادتها مأخوذة من امرأة " ضهياء " وهي التي ضاهت وشابهت الرجل، في عدم الحيض أو الحمل أو الولادة، وهي بذلك تكون شبيهة بالرجل.

﴿ يضهئون قول الذين كفروا من قبل ﴾ [التوبة: 30] والتعقيب هنا إنما يصدر من الحق تبارك وتعالى عليهم، ولم يتركه الحق لنا، وساعة تسمع:

اتخذ الله ولدا

[الكهف: 4] فالفطرة الإنسانية تفرض أن يقول السامع لهذا الكلام: قاتلهم الله كيف يقولون هذا؟ وشاء الحق هنا أن يتحملها عنا جميعا لأننا إن قلنا نحن: " قاتلهم الله أو لعنهم الله " فلا أحد منا يضمن استجابة الدعاء عليهم، فالأمر قد لا يتحقق، ولكن حين يقولها الحق سبحانه وتعالى. فتكون أمرا مقضيا. لذلك يقول الحق: ﴿ قاتلهم الله أنى يؤفكون ﴾ [التوبة: 30]، وما معنى قاتلهم الله؟ أنت إذا رأيت فعلا قبيحا من فرد، تقول: قاتله الله. لأن حياته تزيد المنكرات، ومثال ذلك من يسب أباه، يقول من يسمعه " قاتله الله " بينما يقول الإنسان منا لإنسان يفعل الخير: " فليعش هذا الرجل الطيب " لأنك ترى أن حياته فيها خير للناس. وقول الحق: ﴿ قاتلهم الله ﴾ [التوبة: 30] أي لعنهم وطردهم، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿ أنى يؤفكون ﴾ [التوبة: 30]، وكلمة ﴿ أنى ﴾ [التوبة: 30] ترد بمعنيين، فمرة تعني " من أين؟ " ، ومرة أخرى تعني " كيف؟ " ، والمثال على معناها الأول قول الحق سبحانه وتعالى على لسان سيدنا زكريا لما دخل على مريم البتول:

أنى لك هذا

[آل عمران: 37]. قال ذلك لأنه رأى عندها أشياء من الخيرات لم يأت بها إليها، مع أنه هو الذي يكفلها، والمفترض فيه أن يأتي لها بمقومات حياتها، وعندما دخل عليها ووجد شيئا هو لم يأت به، سألها: ﴿ أنى لك هذا ﴾ [آل عمران: 37] أي: من أين لك هذا؟ فأجابت مريم المصطفاة بما جاء في القرآن الكريم:

قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشآء بغير حساب

[آل عمران: 37]. وجاء الحق بهذه الكلمة لتخدم أمورا إيمانية كثيرة جدا، وجاء بها على لسان مريم المصطفاة لأن المسألة ليست مجرد طعام يأتيها من مصدر لا يعلمه البشر حتى من هي في كفالته. بل هي تقديم لما سوف يحدث. فلا تظن أن الأمور تسير سير المسألة الحسابية بأسباب ومسببات، وعلل ومعللات، ومقدمات ونتائج، بل هي بإرادة الله تعالى لأنها لو كانت من عند الإنسان لفعلها بحساب، ولكن الحق سبحانه وتعالى يعطي بلا حساب لأنه خالق الأسباب، وهو قادر على أن يخلق المسبب على الفور:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢١٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢١٥٦