يرزق من يشآء بغير حساب
[آل عمران: 37].
وحين أنطق الحق سبحانه وتعالى مريم بهذا إنما كان ليوضح لها ولزكريا في آن واحد: إنك يا زكريا تأتي لها بالرزق في حدود قدراتك وحساباتك البشرية، ولكن الله يأتيها بالرزق بغير حساب، وهو ما لا تستطيع أن تأتي به قدرات البشر، فقد يكون الرزق الذي رآه سيدنا زكريا عند سيدتنا مريم لونا من الأطعمة لا يأتي إلا في الصيف، بينما كان الوقت شتاء، أو العكس، وقد يصح أن هذا الرزق ليس في بلادهم مثله، ولذلك قال: ﴿ أنى لك هذا ﴾ وقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ أنى لك هذا ﴾ هو قضية تربوية اجتماعية بمعنى أن الكفيل على قوم حينما يرى عندهم أشياء لم يأت بها هو، وجب عليه أن يسأل عن مصدرها، فحينما ترى في يد ابنك قلم حبر غالي الثمن وأنت لم تحضره له، لا بد أن تسأله: من أين جئت به؟ وذلك لتعرف التأثيرات الخارجية عليه، هل سرقه؟ أم أن أحدا أراد استدراجه إلى غرض سيئ فأغراه بهذا القلم؟ لا بد إذن أن تسأل ابنك: من أين لك هذا؟ وكذلك إن رأيت ابنتك ترتدي ثوبا لم تأت لها به ولا أتت به أمها بعلمك، لا بد أن تسأل ابنتك: من أين لك هذا؟ وهذه القضية إن سيطرت على كل بيت من بيوتنا فلن يحدث في البيوت ما يشينها، لكننا للأسف الشديد نرى في بعض البيوت طفلا يدخل ومعه قطعة من الشيكولاتة، ولا تسأله الأم: من أين لك هذا؟ بل تربت عليه وتأخذ منه قطعة من " الشيكولاته " لتأكل معه. لكن الأم التي تجيد التربية تماما تسأل الابن: من أين أتيت بها؟ حتى تعرف هل ثمنها مناسب لمصروف يده أم لا، فإن لم تجد أنه قد جاء بهذه " الشيكولاتة " من مصدر معلوم لها وحلال فهي تحذره وتضرب على يده. ولا بد لنا أن نعلم أن قانون: " من أين لك هذا؟ " يحكم العالم كله لأنه يتحكم في التربية الاجتماعية كلها. وقد سبق الإسلام العالم بأربعة عشر قرنا حين أنزل الحق تبارك وتعالى قوله: ﴿ أنى لك هذا ﴾ ، وأجابت سيدتنا مريم الإيجاب الإيماني، وأوضحت لسيدنا زكريا عليه السلام: أنت تتكلم بحسابك ولكني أتكلم بحساب الله تعالى لأن الله يرزق من يشاء بغير حساب، أنطقها الحق ذلك لأن هذا القول سوف يخدم قضايا عقدية متعددة في الكون: القضية الأولى: أنها ساعة أن قالت:
إن الله يرزق من يشآء بغير حساب
[آل عمران: 37]. نبهت زكريا إلى قضية عقدية، وهي أن الله سبحانه وتعالى غير محكوم بالأسباب، وسبحانه يعطي بلا حساب، ونظر زكريا إلى نفسه متسائلا: ما دام الله عز وجل يعطي بغير حساب، وأنا قد بلغت من الكبر عتيا، وامرأتي عاقر، فلماذا لا أطلب منه أن يعطيني الولد؟ إذن: فقد نبهت مريم سيدنا زكريا عليه السلام ولفتت نظره إلى قضية عقدية، وهي أن الله يعطي بلا أسباب، وبلا حساب، فدعا الله أن يرزقه غلاما فلما بشره الحق بالغلام تساءل: كيف يرزق بالغلام وامرأته عاقر، وهو قد بلغ من الكبر عتيا؟ وجاءت الإجابة من الحق سبحانه وتعالى:
قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا
[مريم: 9]. وهكذا انتفع زكريا بعطاء الله بالابن، ولم يكتف الحق سبحانه وتعالى بذلك، بل تكفل عن زكريا بتسميته، ولله ملحظ في تسميته، ونحن نعلم أن الناس تسمي الوليد الصغير بأسماء تتيمن بها، مثل أن يسمى رجل ابنه " سعيدا " رجاء أن يكون سعيدا، وقد يسمونه " فارسا " ، رجاء أن يكون فارسا، ويسمونه " فضلا " رجاء أن يكون كريما، ويسمون الفتاة " قمرا " لعلها تكون جميلة. إذن: فالتسمية باسم يحمل معنى شريفا على أمل أن يكون الوليد هكذا، وهناك شاعر كان أولاده يموتون بعد الولادة، فجاءه ابن وسماه يحيى، فمات هذا الابن أيضا فقال الشاعر متحسرا:
سميته يحيى ليحيا فلم
يكن لرد قضاء الله فيه سبيل
إذن: فالتسمية بالاسم الشريف، أو بالاسم الذي يدل على الشيء المؤمل هو رجاء أن يكون الوليد هكذا، لكن المسمى لا يملك أن يكون سعيدا، ولا أن يكون فارسا، ولا أن يعيش لأن الذي يملك كل ذلك هو الله سبحانه وتعالى، فإذا كان الله هو الذي سمى يحيى، فلا بد أن يكون الأمر مختلفا لأن الذي يملك هو الذي سمى، فهل سيعيش يحيى بن زكريا كالحياة التي نحياها وفيها الموت محتم على الجميع؟ نعم لذلك شاء له الله أن يموت لتبقى حياته موصولة إلى أن تقوم الساعة. وهكذا رأت سيدتنا مريم آثار ذلك منذ أن قال لها زكريا عليه السلام ﴿ أنى لك هذا ﴾ وأجابت: