تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولنعرف أولا: ما هو القول؟ إنه كلام يعبر به كل قوم عن أغراضهم كأن تقول للطفل: اجلس، ولا بد أن يكون الطفل فاهما لمعنى الجلوس، وإن قلتها بالعربية لطفل إنجليزي فلن يفهم معناها. إذن: فاللغة ألفاظ يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، والغرض هو معنى متفق عليه بين المتكلم والسامع، ولا بد أن يعرف الاثنان ما يشير إليه اللفظ من موضوعات. فإن لم يعرف السامع اللفظ الذي يتكلم به المتكلم فهو لا يفهم شيئا. وهكذا نعلم أن الفهم بين المتكلم والمخاطب يشترط فيه أن يكونا عليمين باللفظ، فإذا تكلم متكلم بشيء لا علم للسامع به فهو لا يفهم. وكانوا يضربون لنا المثل قديما بعلقمة النحوي وكان مشهورا في النحو والألفاظ واللغة، ويتقعر في استخدام الكلمات، ولا يتكلم إلا باللغة الفصيحة الشاذة التي لا يعرفها الناس، وكان عند علقمة خادم، فمرض علقمة النحوي مرة وذهب إلى طبيب اسمه " أعجز " ليشكو له علة عنده، وقال علقمة للطبيب: قد أكلت من لحوم هذه الجوازىء فقصأت منها قصأة أصابني منها وجع من الوابية إلى دأبة العنق، ولم يزل يمني حتى خالط الخلب وأملت منه السراسيب. ولم يكن الطبيب متخصصا في اللغة ولا معاجم عنده، فوقف مستغربا من كلمات علقمة وقال له: أعد علي ما قلته فإني لم أفهم، فأعاد علقمة عليه ما قاله بغضب ولوم لأنه لم يفهم لغته، وعرف الطبيب تقعر علقمة فقال له: هات القلم والورقة لأكتب لك الدواء، وكتب له: خذ حرقة وسلقة ورهرقة واغسله بماروس واشربه بماء ماء. فقال علقمة: أعد علي فوالله ما فهمت شيئا، فقال الطبيب: لعن الله أقلنا إفهاما لصاحبه. وعرف علقمة أنه متقعر في اللغة ويأتي بألفاظ ليست من الألفاظ الدائرة على ألسن الناس. وقال أساتذتنا لنا: ولم يؤدبه عن هذا إلا غلامه أي خادمه، فقد استيقظ علقمة ذات ليلة وقال: يا غلام أصعقت العتاريف، ولأن الغلام لم يفهم فقد رد قائلا: زقفيلا، وقال علقمة للغلام: وما زقفيل؟ قال: وأنت ما أصعقت العتاريف؟ فقال له: يا بني لقد أردت أصاحت الديكة؟ فقال: وأنا أردت لم تصح. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ذلك قولهم بأفواههم ﴾ [التوبة: 30] إذن: القول هو اللفظ الملفوظ من الفم، وهذا القول إما أن يكون له معنى، وإما ليس له معنى. مثل كلمة " زقفيل " التي قالها خادم علقمة، هذه الكلمة ليس لها وجود في اللغة فهي قول باللسان ليس له معنى. وقد يكون القول له معنى إلا أنه كلام باللسان لا يؤيده واقع، فهو كذب. وقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ذلك قولهم بأفواههم ﴾ [التوبة: 30] يحتمل الأمرين.

إما أنهم يقولون كلاما لا يقصدونه ولا يعرفون معنى ما يقولون، والمثال: أن نقول: " كتب " ، وهي كلمة مكونة من الكاف والتاء والباء، ويمكن أن نستخدم ذات الحروف فنقول: " كبت " وهي نفس الحروف أيضا ولها معنى. أو نقول: " تكب " وهو لفظ غير مستعمل، وهو كلام بالفم ولا معنى له في اللغة، بل هو لفظ مهمل. فإذا قال إنسان كلاما له معنى فهمناه مثل قول: " زيد كان بالأمس بالمكان الفلاني " وهنا زيد معلوم، والمكان معلوم، وأمس معلوم. لكن زيدا لم يذهب إلى ذلك المكان، وبذلك يكون القول في حقيقته كذبا لم يحدث. ويكون كلاما بالفم، ولا واقع له في الحياة. إذن: فالقول بالفم إما أن يكون لا معنى له أبدا، فيستعمل كلفظ مهمل لا وجود له في اللغة، وإما أن يكون له معنى في ذاته إلا أنه ليس له واقع يؤيده. والحق سبحانه وتعالى يقول:

ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه

[الأحزاب: 4]. والله سبحانه يقول:

وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم ذلكم قولكم بأفواهكم

[الأحزاب: 4]. هذا إذن كلام لا وجود له في الواقع، فالزوجة لا تصير أما لزوجها والولد المتبني لا يكون ابنا للرجل أو المرأة، لذلك يقول الحق تبارك وتعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢١٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢١٥٥