إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم
[آل عمران: 59]. والحق سبحانه وتعالى يخلق الشيء - أي شيء - بأسباب، وكل الأسباب مخلوقة له، والولد منا - في جمهرة الناس - ينشأ من اجتماع الأب والأم، والشيء المردود بين شيئين له صور منطقية أربعة: إما أن يوجد بوجود شيئين ذكر وأنثى، وإما أن يوجد بانعدام الشيئين مثل آدم، وإما أن يوجد بوجود واحد من الشيئين وهو الذكر مثل حواء، فقد خلقها الله من آدم مصداقا لقوله:
وخلق منها زوجها
[النساء: 5]، وإما بوجود واحد من الشيئين وهي الأنثى وخلق عيسى عليه السلام منها بدون وجود الذكر. وليعلمنا الله سبحانه وتعالى جميعا أن الأسباب لا دخل لها في التكوين، وأن المسبب هو القادر على أن يوجد من غير أب وأم كما أوجد آدم، وأن يوجد من أب وأم كما أوجد جمهرة الناس، وأن يوجد من أم دون أب كما أوجد عيسى، وأن يوجد من دون أم كما أوجد حواء. إذن: فالقسمة دائرة بقدرة الله وإرادته، ولا دخل لأحد إلا إرادة الحق سبحانه وتعالى، فالأسباب ليست هي الفاعلة في ذاتها، بل إرادة الخالق سبحانه هي الفاعلة، ولذلك يقول المولى سبحانه وتعالى:
لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشآء يهب لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور * أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء عقيما إنه عليم قدير
[الشورى: 49-50]. أي: قد يوجد الذكر والأنثى ولا يعطي لهما الحق عز وجل أولادا، وهذه طلاقة قدرة من الله تعالى، فإياك أن تقول إنها بأسباب، بل سبحانه وتعالى يهب لمن يشاء إناثا، ويهب لمن يشاء ذكورا، ويجمع لمن يشاء بين الذكور والإناث، ويجعل من يشاء عقيما، وكان استقبال الناس للمواليد يختلف فالعرب كانوا يحبون إنجاب الذكر لأنه قوي ويحقق العزوة ويركب الخيل، ويحارب الأعداء. ولم يكونوا يحبون إنجاب الفتاة لأنها قد تأتي منها الفضائح، ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى:
وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم * يتوارى من القوم من سوء ما بشر به..
[النحل: 58-59]. وجاء الإسلام ليوضح: أنه ما دام لا دخل لك في الإنجاب والإنسال، فدع الأمر لمن يهب الأبناء. وقد سمى الحق تبارك وتعالى الأبناء " هبة " ليذكرك أن الإنجاب شيء أعطاه سبحانه لك بلا مقابل منك، فالذكور هبة، والإناث أيضا هبة. فلا تفضل تلك الهبة عن هذه الهبة. ودائما أقول للذي ينجب بنات، ويذهب هو وزوجته إلى الأطباء: لو استقبلتم هبة الله في الإناث كما تستقبلونها في الذكور، فإن الحق سبحانه وتعالى يجزيكم جزاء لا يخطر لكم على البال، فيحسن الله كل ابنة لكم في عين رجل صالح ويتزوجها، فإن كن عشر بنات فهن يأتين بعشرة رجال أزواج يعاملون الأب والأم لكل زوجة معاملة الأب والأم، وهكذا يرزق الله من يرضى بقسمة الله في الإنجاب، ويصبح أزواج البنات أطوع من الأبناء الذكور، فالذي يرضى بالهبة في الإناث يوضح له الله: رضيت بهبتي فيك ولم تكن على سنة العرب من كراهة الإناث لذلك أهبك من أزواج البنات أبناء لم تتعب في تربيتهم ويكونون أكثر حنانا وولاء من أي أبناء تنجبهم أنت. ولذلك إذا ما وجدت إنسانا قد وفق في زيجات بناته، من رجال يصونون أعراضهم ويحسنون معاملة أهل الزوجة، فاعلم أن الأب قد استقبل ميلاد الأنثى بالرضا لأنها هبة الله. ويقول المولى سبحانه وتعالى:
ويجعل من يشآء عقيما إنه عليم قدير
[الشورى: 50]. إذن: فالعقم أيضا هبة إلهية لأن الإنسان إذا ما استقبل العقم برضا الله لوجد في كل رجل يراه ابنا له لأنه استقبل الهبة في المنع برضا، مثله مثل من استقبل الإناث كاستقبال الذكور. إذن: ما دامت المسألة هبة من الله فيجب أن تستقبل عطاء الله ومنعه بالرضا. وعيسى عليه السلام جاء بنسبة طلاقة القدرة من الخالق سبحانه وتعالى لأن القسمة العقدية والعقلية لا تتم إلا به، ولن تتكرر لأن آدم وجد أولا، ومن وجدوا بعد آدم جاء كل منهم من أبوين، وكذلك حواء وجدت من قبلهم، فهذه ثلاث صور قد وجدت في الكون وبقيت صورة ناقصة، هي أن يوجد إنسان من أم دون أب، فأتمها الله عز وجل بعيسى عليه السلام: ﴿ وقالت النصرى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم ﴾ [التوبة: 30]. وقول الحق ﴿ ذلك ﴾ [التوبة: 30] إشارة إلى القول بأن المسيح ابن الله أو عزير ابن الله، ويضيف الحق عز وجل توضيحا ﴿ قولهم بأفواههم ﴾ [التوبة: 30]. ونسأل: وهل يوجد قول بغير أفواه؟ إن كل قول إنما يكون بالأفواه حتى قول المؤمنين بأن الله واحد وأن محمدا رسول الله هو قول بالأفواه. ونقول: هناك قول بالفم فقط دون أن يكون له معنى من المعاني، وهناك قول بالفم أيضا وله معنى، إلا أنه غير حقيقي، وكاذب.