تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما معاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهل الكتاب فكانت: إما أن يسلموا، وإما أن يعطوا الجزية مع استبقاء الحياة، ولذلك قال الحق تبارك وتعالى: ﴿ حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ﴾ [التوبة: 29]. أي: حتى يؤدوا ما فرض عليهم دفعة من أموال مقابل حصولهم على الأمان والحماية، وفي هذا صون لدمائهم، ولذلك نجد أن المسلمين قد فتحوا بلادا غير إسلامية وصاروا قادرين على رقابهم ولم يقتلوهم، بل أبقوا عليهم، وإبقاء الحياة نعمة من نعم الإسلام عليهم، وهناك نعمة ثانية وهي أنه لم يفرض عليهم دينا، وإنما حمى اختيارهم الدين الذي يرونه، وفي ذلك رد على من يقول: إن الإسلام انتشر بالسيف، ونقول: إن البلاد التي فتحت بالمسلمين أقرت أهل الأديان على أديانهم، وحمت فقط حرية الاختيار، بل وقف المسلمون بالسيف أمام القوم الذين يقفون أمام اختيار الناس، وتركوا الناس أحرارا. لكننا نجد المغالطات تملأ كتابات الغرب حول مسألة السيف. ونرد دائما أن الإسلام لو انتشر بالسيف لما وجدنا في البلاد التي فتحها أناسا باقين على دياناتهم، بل كان الإسلام يأخذ الجزية ممن بقوا على دياناتهم من أهل الكتاب. وأخذ الجزية دليل على أنهم ظلوا على دينهم وظلوا أحياء، وهاتان نعمتان من نعم الإسلام، وكان يجب أن يؤدوا جزاء على ذلك، وكان الجزاء هو الجزية. وهي مادة " جزى " و " يجزي ". فكأن الجزية فعلة من " جزى " " يجزي " لأن الإسلام قدم لهم عملا طيبا بأن أبقى على حياتهم وأبقاهم على دينهم من غير إكراه، فوجب أن يعطوا جزاء على هذه النعمة التي أنعم الله تعالى بها عليهم بالإسلام. وأيضا فإنهم سيعيشون في مجتمع إيماني الولاية فيه للإسلام، ويتكفل المسلمون بحمايتهم وضمان سلامتهم في أنفسهم وأهلهم وفي أموالهم وفي كل شيء، فإذا كان المسلم يدفع لبيت المال زكاة تقوم بمصالح الفقراء والمسلمين، فأهل الكتاب الموجودون في المجتمع الإسلامي ينتفعون - أيضا - بالخدمات التي يؤديها الإسلام لهم، ويجب عليهم أن يؤدوا شيئا من مالهم نظير تلك الخدمات، والإسلام مثلا لا يكلف أهل الكتاب أن يدخلوا جندا في حرب ضد أي عدو للمسلمين إلا إذا تطوعوا هم بذلك، إذن: فالجزية ليست فرض قهر، وإنما هي مقابل منفعة أداها الإسلام لهم إبقاء على حياتهم وإبقاء على دينهم الذي اختاروه، وقرر الحق أن يعطوا الجزية ﴿ عن يد ﴾ [التوبة: 29] واليد هي الجارحة التي تؤدي بها الأعمال، وأغلب الأعمال إنما تزاول باليد، ونجد القرآن الكريم يقول:

ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون

[يس: 35]. واللسان أيضا آلة الكلام، والحق تبارك وتعالى يجازي على القول الطيب أو السيىء، ولكن الأصل في العمل هو " اليد " ، وتطلق اليد ويراد بها القدرة التي تعمل، أو يراد بها النعمة، مثل قولنا: فلان له يد على فلان، وفلان له أياد بيضاء على الناس.

وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ﴾ [التوبة: 29]. فهل المقصود ب ﴿ عن يد ﴾ [التوبة: 29] أي من يعطون الجزية، أم أيدي الآخرين الآخذين للجزية؟ إن هذا القول: ﴿ عن يد ﴾ [التوبة: 29] مثلما يقال: فلان نفض يده من هذا الأمر، أي خرج عن الأمر ولم يعد يعاون عليه. إذن يكون معنى ﴿ عن يد ﴾ [التوبة: 29] أي غير رد للنعمة. وعن يد منهم أي من المعطين للجزية، أو ﴿ عن يد ﴾ [التوبة: 29] أي: يدا بيده فلا يجلس الواحد من أهل الكتاب في الأمة الإسلامية المحكومة بالإسلام في مكانه ويرسل رسولا من عنده ليسلم الجزية، لا، بل عليه أن يدفعها ويحضرها بيده. أو نقول: ﴿ عن يد ﴾ [التوبة: 29] من معنى القدرة، فمن عنده قدرة، فتأخذ الجزية من القادر ولا نأخذها من العاجز. إذن: يشترط في اليد إن كانت منهم ثلاثة ملاحظ الملحظ الأول: أن يكونوا موالين لا نافضين لأيديهم منا ومن حكمنا، والملحظ الثاني: أن يأتي بها بنفسه لا أن يرسل بها رسولا من عنده، وإن جاء بها لا بد أن يأتي بها وهو ماش وأن يعطيها وهو واقف ومن يأخذ الجزية قاعد، وهذا هو معنى ﴿ وهم صاغرون ﴾ [التوبة: 29]. ولماذا يعطونها عن صغار؟ لأن الحق عز وجل أراد للإسلام أن يكون جهة العلو، وقد صنع فيهم الإسلام أكثر من جميل، فلم يقتلهم ولم يرغمهم على الدخول إلى الإسلام لذلك فعليهم أن يتعاملوا مع المسلمين بلا كبرياء ولا غطرسة، وأن يخضعوا لأحكام الإسلام، وأن يكونوا موالين للمسلمين، لا نافضين الأيدي، وأن يؤدوا الجزية يدا بيد، وأما العاجز وغير القادر فيعفى من دفع الجزية. ﴿ حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ﴾ [التوبة: 29] والصغار من مادة الصاد والغين والراء، وتدل على معنيين إن أردتها عن السن يقال " صغر " " يصغر " مثل قولنا: فلان كبر يكبر. وإن أردتها في الحجم والمقام نقول " صغر " " يصغر " ، أي: صغر مقاما أو حجما، ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢١٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢١٥٢