تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. أي: لا تغتال العقول، حلوة المذاق، ولذلك يصفها الله سبحانه وتعالى بقوله:

لذة للشاربين

[محمد: 15]. أي: أنها مختلفة تماما عن تلك الخمر التي حرمها الله في الدنيا. وتتجلى الحكمة في معنى الاستطعام في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" ثلاث من كن فيه وجد بهن طعم الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار ".

ومن رحمة الله تعالى بخلقه أنه لم يجعل الطعام وقودا للطاقة فقط، بل يغري الناس على وقود الطاقة لاستبقاء الحياة بأن يستلذ الإنسان الطعام، ويطيل أمد اللذة ساعة تناوله، لا أن ينتظر النفع بعد أن يهضم الطعام. فكأن الإيمان لا يستمر إلا لمن يحب في الله ويكره في الله فذلك يعطيه الطاقة التي تستبقي إيمانه، كما تستبقي طاقة الطعام حياة الإنسان. وشاء الله سبحانه وتعالى أن يعطينا في تصوير الجنة المثل لما في الجنة، لا بتشخيص وتحديد لما في الجنة فعلا، ويقول سبحانه وتعالى:

فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين جزآء بما كانوا يعملون

[السجدة: 17]. وإذا كانت النفس لا تعلم شيئا، فهي لا تملك ألفاظا تضع فيها ما لا تعلمه، فإذا خاطبها الله تعالى بواقع الجنة فهي لن تفهم، لذلك شاء الحق تبارك وتعالى أن يخاطبها بواقع المثل، فيقول عز وجل:

وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنت تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيهآ أزواج مطهرة وهم فيها خالدون

[البقرة: 25]. إذن: فهو رزق يشبه الرزق الموجود في الدنيا ولكن ليس هو، أما أن يقال: إن نعيم الجنة هو النعيم الروحي أو نعيم الخواطر أو ما نسميه آمال النفس، كأن يتخيل إنسان جائع أنه أكل كمية من اللحم أو السمك فتسعد روحه بذلك من غير واقع يحدث، فكل هذا غير حقيقي، ولكنهم يقولون هذا الكلام لأنهم إذا ما تصوروا نعيم الجنة كالخواطر، فسوف يكون عذاب النار مقابلا أيضا لنعيم الجنة، أي سيكون عذاب الخواطر، وفي هذا تصور لعذاب سهل لأنهم يخافون عذاب النار فيريدونه عذابا روحيا. ولكن الإحساس بالنعيم والعذاب لا بد أن يكون له واقع يشبهه في الدنيا، وإلا ما وجد في أنفسنا ما يجعلنا نرغب في نعيم الجنة ونخاف من عذاب النار.

لذلك فإن نعيم الجنة حق، وعذاب النار حق. وشاء الله سبحانه أن يصفي النعيم من كل الشوائب، فقال عز وجل عن أنهار الجنة:

وأنهار من عسل مصفى

[محمد: 15]. أي: ليس فيه كل الشوائب الموجودة في عسل الدنيا. وكذلك قال عن لبن الجنة:

وأنهار من لبن لم يتغير طعمه

[محمد: 15]. وكلمة ﴿ لم يتغير طعمه ﴾ لها عند العرب أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم معنى لأن العربي كان يحلب الجمال ويضع ألبانها في الأواني، وكان اللبن يتغير طعمه ويصير حامضا، لكنه كان مضطرا أن يشربه لذلك فحين يسمع

وأنهار من لبن لم يتغير طعمه

[محمد: 15] فهو يعطيه المثل من حياته، بعد أن ينقيه من كل الشوائب التي تفسد طعم اللبن في الحياة الدنيا. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ قتلوا الذين لا يؤمنون بالله ﴾ [التوبة: 29] أي الإيمان الواجب بعظمة الله وتنزيهه. واليهود يؤمنون إيمانا إجماليا بالله، ولكنهم يجسمونه ويقولون: إنه جلس على صخرة ومد قدميه في قصعة من الزمرد ثم استنكف الله أن يمده لبني إسرائيل، وهذا تصوير لا يليق بكمال الله ولا بذاته المقدسة، وهذا خطأ في التصور. وكذلك كان خطؤهم في تصور نعيم الجنة وعذاب النار، وبذلك لم يؤمنوا إيمانا حقا باليوم الآخر، ولهذا جاء قول الحق: ﴿ ولا باليوم الآخر ﴾ [التوبة: 29] وهم لم يقفوا فقط ضد الإسلام كمنهج، بل وقفوا أيضا من أديانهم مثل هذا الموقف، ويقول المولى سبحانه وتعالى: ﴿ ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ﴾ [التوبة: 29]. وهم كأهل كتاب حرفوا وبدلوا في دينهم فأحلوا ما حرم الله. ولذلك يقول سبحانه: ﴿ ولا يدينون دين الحق ﴾ [التوبة: 29]. والحق - كما نعلم - هو الشيء الثابت الذي لا يتغير. وإذا نظرنا إلى كل رسول في عصره نجده قد جاء بالحق، وإذا جاء رسول من بعده فهو لا ينسخ العقائد، ولكنه ينسخ في الأحكام، وهكذا نعلم أن كل رسول جاء بالعقائد الثابتة وبالأحكام التي تناسب الزمان إلى أن بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم، فكان النبي الخاتم إلى أن تقوم الساعة، ولا بد أن يكون الحق الذي جاء به هو الحق الثابت الذي لا يتغير لأنه خاتم الأنبياء والمرسلين فلا رسول بعده، إذن فقوله: ﴿ ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتب ﴾ أي: أنهم لا يؤمنون حتى بما جاء في كتبهم من بشارة به صلى الله عليه وسلم، وهذا حكم خاص بهم لأن المشكلة معهم أنهم لم يصدقوا بلاغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله وأنه مرسل إليهم، وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم في معاملتهم ما شرعه الله تعالى، وذلك أن يعاملوا معاملة مختلفة عن المشركين، فمعاملة المشركين كانت براءة من العهد، وإبعادا عن المسجد الحرام، وقتالا إن وجدناهم، أو أن يسلموا.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢١٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢١٥١