تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا * قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا

[مريم: 8-9]. أي: ما دام الله سبحانه وتعالى قد قال فقد تأكد الحدوث. وكان المؤمنون أقرب إلى الروم لأنهم أهل كتاب ولأن لهم صلة بالسماء، ومن له صلة بالسماء يمتلئ بالحنين إلى أخبار السماء، ويتسمع أخبار المؤمنين في القمة العقدية. ومن العجيب أن هذه الآية تصدق في الروم وفارس، فينتصر الروم على الفرس، وتصدق في محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فينتصر رسول الله وأصحابه في بدر. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى:

ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله..

[الروم: 4-5]. وفي الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ قتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ﴾ [التوبة: 29]. ونلحظ أن الحق سبحانه وتعالى قد وصفهم هنا بأنهم لا يؤمنون بالله مع أنهم أهل إيمان. والمعنى أنهم لا يؤمنون بالله الإيمان الذي يعطي الله جلال الصفات وكمالها لأن بعضهم قال: إن الله له ابن اسمه عزير، وقال البعض الآخر: المسيح ابن الله، إذن فهم لم يؤمنوا بالله حق الإيمان تسبيحا وتنزيها لذاته الكريمة عما لا يليق بها، وكذلك يختلف إيمانهم باليوم الآخر عن الإيمان الحق به، إنه إيمان لا يتفق مع مرادات الله تعالى فهم يقولون مثلا: إن النعيم في الآخرة ليس ماديا ولكنه نعيم روحي.

ونقول: عندما يحدثنا الله عن نعيم الآخرة فلا بد أن نعرف هذا النعيم حتى نفهم المعنى، ونتساءل: ما هو النعيم الروحي؟ هل النعيم الروحي هو خواطر في النفس فقط لا علاقة لها بالحقيقة؟ أيكون هذا هو نعيم الآخرة؟ لقد أوضح المولى سبحانه وتعالى بما لا يدع مجالا للظن أو الشك أنه قد أعد جنة للمؤمنين وأعد نارا للكافرين، وحكى لنا الحق سبحانه وتعالى عن هذه الحياة بما فيها من ثواب ومن عقاب بما يقنعنا أن فيها نعيما مثل الذي نعرفه، فإذا كان هذا النعيم روحيا ونحن لا نعرف النعيم الروحي ولا نعلم شيئا عنه، فكيف يغرينا الله عز وجل بشيء لا نعلمة؟ إذن: فإيمان هؤلاء الناس باليوم الآخر ليس إيمانا كما يريده الله. فسبحانه حين يحدثنا عن الجنة إنما يحدثنا عن أشياء من جنس ما نعرف وليس من جنس ما لا نعرف. وصحيح أن الله سبحانه وتعالى قد بين لنا بعض صور النعيم في الجنة، وقال: إنها مثل كذا وكذا. قال الحق جل جلاله:

مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دآئم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار

[الرعد: 35]. إذن: فالله عز وجل يعطي مثلا فقط. ومعلوم أن اللفظ في اللغة لا بد أن يوضع لمعنى معروف. ولذلك فعندما يحدثنا الله عن نعيم الجنة لا بد أن يحدثنا بكلام نعرف معانيه. ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال عن الجنة:

" فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ".

إذن: فلا توجد في اللغة ألفاظ تعبر عن نعيم الجنة لأن المعنى غير معروف لنا، ولكن الله أراد أن يحببنا فيها فأعطانا صورة نفهمها عن النعيم، فيقول عز وجل:

مثل الجنة

[الرعد: 35] وهو يريدنا أن نعرف أن فيها نعيما خاليا من كل المنغصات التي تكون في المثل. فمثلا الخمر في الدنيا فيها خصلتان الأولى أنها تغتال العقول والثانية: أنها لا تشرب بقصد اللذة، والذي يشرب الخمر لا يشربها مثلما يشرب عصير المانجو أو عصير الليمون الذي يستطعمه ويشربه على مهل، ولكنه يسكب الكأس في فمه دفعة واحدة لأن طعمها غير مستساغ وليقلل زمن مرور الخمر على الحس الذائق، ومعنى هذا أن طعمها غير مستطاب، ثم إنها تذهب بوعي الشارب لها فيفقد السيطرة على سلوكه، ويعتذر في الصباح عما فعل أثناء احتسائه للخمر ويقول خجلا: " لم أدر موقع رأسي من موقع قدمي " هذه خمر الدنيا، ولكن الخمر في الجنة لا غول فيها.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢١٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢١٥٠