فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن * وأمآ إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن
[الفجر: 15-16]. أي: أن الإنسان إذا أنعم الله تعالى عليه، عد هذا كرما من الله عز وجل، وإذا ما ضيق الله عليه الرزق اعتبر ذلك إهانة وعدم رضا من الله. ويرد الله تبارك وتعالى ليصحح المفهوم فيقول: ﴿ كلا ﴾ [الفجر: 17] أي لا المال دليل على الإكرام، ولا قلة المال دليل على الإهانة.
كلا بل لا تكرمون اليتيم * ولا تحآضون على طعام المسكين * وتأكلون التراث أكلا لما * وتحبون المال حبا جما
[الفجر: 17-20]. إذن: فالمال إذا جاء ليطغيك يكون نقمة عليك وليس نعمة لك، وإذا كانت قلة المال تمنع طغيانك فهي نعمة وليست نقمة. ولذلك قال تبارك وتعالى:
كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى
[العلق: 6-7]. قد يمنع عنك المال الذي إن وصل إليك غرك فتحسب أنك في غنى عن الله تعالى وتطغى، وهذا المنع نعمة وليس نقمة، إذن فقوله تبارك وتعالى: ﴿ فسوف يغنيكم الله من فضله ﴾ [التوبة: 28] هو إبقاء لطلاقة القدرة في الكون حتى يكون الإغناء لا بالمادة وحدها ولا بالمال وحده، ولكن بالقيم أيضا، فلا يذهب المال قيم السماء ولا يبعد عن منهج الله. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ إن شآء ﴾ [التوبة: 28] يعني: أنه سبحانه إن شاء أعطى، وإن شاء منع، فلا مانع لنا أعطى، ولا معطي لما منع، وهي طلاقة المشيئة، في حدود حكمة الله عز وجل، فلا تقل حين يمنع: إنه لم يحقق قوله: ﴿ فسوف يغنيكم الله من فضله ﴾ [التوبة: 28] لأن الإغناء كما يكون بالمادة، يكون أيضا إغناء بالقيم. ويؤكد هذا قوله سبحانه وتعالى: ﴿ إن الله عليم حكيم ﴾ [التوبة: 28] أي: عليم بالأمر الذي يصلح لكم، حكيم في وضع العطاء في موضعه والمنع في موضعه. ثم يقول الحق بعد ذلك: ﴿ قتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق... ﴾.