تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول

[المجادلة: 8]. وقول النفس لا يسمعه أحد، ولو أن هؤلاء لم يقولوا هذا في أنفسهم لقالوا: والله ما خطر ذلك في نفوسنا. ولأنهم قالوه في أنفسهم فقد بهتوا لكشف القرآن الكريم لما يدور داخل أنفسهم. ولقد رد الله سبحانه وتعالى في الآية الكريمة على ما سيدور في خواطر المؤمنين عندما يستمعون إليها، فلم ينتظر الحق سبحانه وتعالى حتى يشكو المؤمنون لرسول الله صلى الله عليه وسلم خوفهم الفقر وقلة الرزق، بل أجاب سبحانه وتعالى على ذلك قبل أن يخطر على بالهم. فكأن الحق سبحانه وتعالى يشرع حتى للخواطر قبل أن تخطر على البال، ولا يترك الأمور حتى تقع ثم يشرع لها. وهنا يقول المولى سبحانه وتعالى: ﴿ وإن خفتم عيلة ﴾ [التوبة: 28] والعيلة هي الفقر، ويتابع الحق جل وعلا: ﴿ فسوف يغنيكم الله من فضله ﴾ [التوبة: 28]، ولم يقل الحق " سيغنيكم " بل قال: ﴿ فسوف ﴾ [التوبة: 28] وهي تقتضي زمنا سيمر ولكنه زمن قريب لأن الخير الذي سيأتي له أسباب كثيرة كفيلة بتحقيقه كأن يعوضهم الله عما كان يأتي به الكفار بأن تمطر السماء مطرا فينبت النبات، وهذه تحتاج إلى زمن، وأن يأخذوا بالأسباب بأن يروج لهم تجارة على غير المشركين، أو يكشف لهم من كنوز الأرض ما يغنيهم. ولذلك قال: ﴿ فسوف ﴾ [التوبة: 28] والأسباب تحتاج إلى وقت، فنزلت الأمطار قرب جدة التي أسلمت ونبت الزرع في وادي خليط، وتبالي باليمن وجرش وصنعاء، وجاءت أحمال البعير بالخير لأهل مكة وحدثت الفتوحات الإسلامية، فجاء الخير من الجزية والخراج.

وهكذا نرى أن ﴿ فسوف ﴾ [التوبة: 28] امتدت لمراحل كثيرة، وما زالت موجودة ممتدة حتى الآن. إذن: فقد أخذت الأمد الطويل. على أننا لا بد نلتفت إلى قول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ وإن خفتم عيلة ﴾ [التوبة: 28] هي حيثية بأن المؤمن عليه ألا يتهاون في أمر دينه رغبة في تحقيق أمر من أمور الدنيا، فكل من يرتكب معصية خوفا من أن تضيع منه فائدة مادية أو دنيوية، كأن يخشى قول الحق خوفا من أن يضيع منه منصبه، أو يغضب عليه صاحب العمل فيطرده من وظيفته، نقول له: لا عذر لك لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله ﴾ [التوبة: 28]. وحيث إن الرزق من عند الله سبحانه وتعالى، وهذا هو كلام الله عز وجل، فلا عذر لأحد أن يرتكب معصية بحجة المحافظة على رزقه، أو بحجة أنه يدفع الفقر عن نفسه وبيته وأولاده. على أن قوله تعالى: ﴿ إن شآء ﴾ [التوبة: 28] قد تجعل الإنسان يظن أن الزمن سوف يباعد بينه وبين الرزق لأنه سبحانه قد يشاء أو لا يشاء، فكيف يكون هذا الأمر وهو سبحانه أراد بالآية طمأنة المسلمين. وإذا كان الله قد قال: ﴿ وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله ﴾ [التوبة: 28]. فإننا نقول: إن الحق سبحانه وتعالى يريد الصلة الدائمة بعبده وألا يفسد على العبد الرجاء الدائم في الله تعالى. وقوله عز وجل: ﴿ إن شآء ﴾ [التوبة: 28] هو إبقاء لهذا الرجاء لأن العبد سيظل في رجاء إلى الله عز وجل فيظل الله تعالى في باله ولأنه سيطلب دائما رضا الله فإن هذا يجعله يبتعد عن المعصية ويتمسك بالطاعة. وفوق ذلك كله، فإن الحق تبارك وتعالى له طلاقة القدرة في كونه، فقدر الله وقضاؤه ليسا حجة على الله سبحانه وتعالى تقيد مشيئته سبحانه، فمشيئة الله مطلقة لا يقيدها حتى قدر الله فهو إن شاء حدث القدر. وإن شاء لم يحدث. وهكذا تظل طلاقة قدرة الله في كونه. وبعض العارفين بالله يكشف لهم الله لمحة من لمحات الغيب، فيخبر الواحد منهم الناس، فيخلف الله سبحانه وتعالى ما كشفه حتى يظل الله وحده عالم الغيب فما دام ذلك اصطفاه الله بغيب أطلع الناس عليه. فسبحانه يغير أحداث الغيب ولا يعطي لذلك الشخص خبرا عن أي غيب آخر. إذن فكلمة: ﴿ إن شآء ﴾ [التوبة: 28] هي إثبات لطلاقة قدرة الله في كونه، فإن شاء أعطاكم، وإن شاء لم يعطكم، فالإعطاء له حكمة، والمنع له حكمة، فقد يفتري البعض بالنعمة فيحجبها الحق عنهم، وهذا ما حدث في كثير من البلاد التي طغت وكفرت بنعمة الله عليها لأنه سبحانه لو ترك النعمة هكذا بدون ضوابط لاستشرى في تلك البلاد الفساد والمعاصي، إذن: فالمشيئة تقتضي إعطاء، أو منعا، والإعطاء له حكمة، والمنع له حكمة لأن الحق سبحانه وتعالى يعامل خلقه على أنهم من الأغيار القلب منهم من تأتيه النعمة فتطغيه، ولذلك يقول سبحانه وتعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢١٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢١٤٧